عندما يستدعي القارئ إلى ذهنه الحقائق السابقة فسيكون قادراً على تقييم مدى سلامة منهج الحضارة الغربية في العلاقات الدولية ، وصلاحية هذا المنهج لإبعاد شبح الفناء والدمار الذي يتهدَّد البشرية .
الفصل الثاني
العلاقات الدولية في الإسلام
العدل هو القاعدة الأساسية في تنظيم علاقة المسلم بغيره ، ويشمل ذلك العلاقات الدولية – كما سنرى – والعدل في هذا المجال – وكما تظهر نصوص القرآن والسنة – هو القيمة الأولى بين القيم الإسلامية ، وفي القرآن ورد الأمر بالعدل والإشادة بالمتَّصفين به ، والنهي عن الظلم والتشنيع على مرتكبيه في أكثر من ثلاثمائة وخمسين موضعاً . ويعبر عن العدل أحياناً بالقسط وإقامة الميزان أو بما يدل على هذا المعنى ، كما يعبر عن الظلم بالبغي والعدوان والبخس والطغيان .
والعدل في الإسلام قيمة مطلقة ذات ميزان واحد يلتزم به المسلم كواجب أساسي في المنشط والمكره ، وفي حالة الصداقة والعداوة ، في القول والعمل ، وفي الفعل والترك . قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [ ]المائدة آية : 8[ .
قال المفسرون : المعنى لا يحملكم بغض قوم يقاتلونكم في الدين على أن لا تعدلوا في معاملتهم .
ويشهد لهذا التفسير الآية الأخرى : ] وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ ]المائدة آية : 2[ .
ولم يكن أحد أعدى للمسلمين من الذين صدوهم عن المسجد الحرام وقاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم . (أنظر أيضاً الآية 135 من سورة النساء ) .
والعدل مطلوب في القول والعمل : ويشهد لهذا التفسير الآية الأخرى : ] وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ [ ]الأنعام آية : 2[ .
العدل هو الحد الأدنى من معاملة المسلم لغيره ، ولكن المسلم مدعو وراء العدل إلى درجات أعلى : فإذا كان العدل يتحقق بالمعاملة بالمثل ، فالمسلم مدعو في القرآن والسنة إلى الصبر والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة والبر والإحسان .
قال تعالى : ] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [ ]آل عمران آية : 186[ .
وقال تعالى : ] وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿39﴾ وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿40﴾ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿41﴾ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿42﴾ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ ]الشورى آية : 43[ .
وقال تعالى : ] وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ ]البقرة آية : 109[ .