تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكي يختار المرء ما يمكن الاعتماد عليه من بين خضم المعلومات والأحداث يجب أن يكون لديه معيارٌ لذلك الاختيار لتجديد أهميتها ... وعملية تفسير الحقائق والوقائع ليست عقلانيه تماماً . ولكنها غالباً ما تتأثر بالعواطف وبنزعة البشر في أن يطمسوا ما لا يسرهم وبالتفكير المفرط في التمني ... وهكذا يتضح أن ما نعرفه عن بيئتنا بعيد عن الواقع على درجة أننا بدلاً من أن نتكلَّم عن المعرفة يجب أن نستخدم " الصورة الذهنية " ... وبمجرد أن يكوَّن السياسي صورة ذهنية عن موضوع أو عن دولة أخرى فإن هذه الصورة الذهنية تصبح بمثابة جهاز لتنظيم المزيد من المعلومات ومصفاةً تمر من خلالها هذه المعلومات ، ولهذا فالصورة الذهنية لا المعلومات هي التي تحكم السلوك السياسي " (ص 52) .

لا بدَّ أن يستنتج القارئ من الشرح السابق صعوبة تعيين المصلحة الوطنية الحقيقية ، وأنه ليس من الضروري أن تكون محكومة بمعايير موضوعية ، كما يستنتج قابليتها للمرونة والتكيف في يد صانع القرار . وسيكون في مكانه نتيجة لذلك أن يقَّيم مدى أهلية المصلحة الوطنية لأن تكون أساساً للعلاقات الدولية .

2 – القوة :

يقول فرانكل" إن مشكلة القوة تدخل جميع أنواع العلاقات الدولية ، في الحروب والمنافسات تدخل القوة بمعناها العسكري ، وفي التعاون يدخل التهديد بالقوة لقمع الأطراف . يدور عالم السياسة كله حول ممارسة القوة والبحث عنها ، غير أن القوة في السياسة الدولية أوضح بكثير وأقلّ قيوداً من القوة في السياسة الداخلية . ولهذا فكثيراً ما تسمى السياسة الدولية بسياسة القوة .. ولقد أدى الدور الهام الذي تلعبه القوة في العلاقات الدولية إلى نشوء مدرسة فكرية تفسر العلاقات الدولية على ضوء مفهوم القوة ...]ولكن [ بالرغم من أن القوة تلعب دوراً هاماً في السياسة الدولية ، فإنها في الأساس وسيلة لتحقيق قيم وطنية ، والسياسة الدولية لا تحددها القوة التي تملكها الدولة فحسب ، وإنما تحددها بدرجة أكبر القيم التي تعتنقها هذه الدول ، ومفهوم المصلحة الوطنية التي تحكم سلوك الدول لا يقف عند اعتبارات القوة وحدها " (ص 93- 94 ) .

على أنا إذا استعدنا الشرح السابق عن المصلحة الوطنية ، فربما يصح الافتراض بأن القوة تحكم تعيين المصلحة القومية أكثر مما تحكم المصلحة الوطنية القوة .

يقول فرانكل : " من الصعب أن تقيم القوة تقييماً مجردَّاً ، فبإمكان القوة أن تكون في خدمة أهداف سيئة وأهداف خيرة على السواء . ومن المستحيل قطعاً إزالة القوة . والمشكلة التي تواجهنا ليست في كيفية إزالة القوة ، ولكن في كيفية السيطرة عليها وإبقائها ضمن القنوات المشروعة " (ص 94 ) .

" ...منهم إلى حجبها في المسائل الخطيرة ، وإلى تقديمها فيما عدا ذلك ، وعلى شكل يجعل الجمهور يميل في الاتجاه المطلوب . وهذا كله يثير مشاكل الإرشاد . إن فكرة الديمقراطية لا تعني التزام القادة بالرأي العام التزاماً مطلقاً ، وإنما تعني بل وتقتضي أحياناً أن يتولوا قيادة هذا الرأي " ( ص 51) .

خلاصة ما سبق :

أنَّ هناك خصيصتين تطبعان منهج العلاقات الدولية في الحضارة الغربية ( الحضارة المعاصرة ) :

- هشاشة القوة الإلزامية للقواعد القانونية المفروض أن تحكم العلاقات الدولية .

- هشاشة الأساس الأخلاقي الذي يرتكز عليه المنهج .

ولذا فمن الطبيعي أن تكون العلاقات الدولية مؤسَّسةً في هذا المنهج على المصلحة الوطنية والقوة . على أنَّا إذا رأينا أنّ المصلحة الوطنية الحقيقية يصعب تعيينها ، وأنّه ليس من الضروري أن تحكم بمعايير موضوعية ، وأنّها قابلةٌ بصفةٍ فائقةٍ للمرونة والتكُّيف في يد صانع القرار ، وأنَّ للإعلام بالرغم من هشاشة صدقة وموضوعيته وخضوعه للأهواء والمصالح الخاصة الدورَ الأهمّ في تعيين المصلحة الوطنية ، وأنّ القوة تحكم تعيين المصلحة الوطنية أكثر مما تحكم المصلحة الوطنية سلوك القوة .

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٢٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٢٢٨