ومن الناحية الثانية : فإن الحضارة المعاصرة ( الحضارة الغربية ) بالنسبة للقيم الخلقية بوجه عام تعاني من :
- انحسار الإيمان بالله الذي يمكن أن يكون أساساً للالتزام الخلقي ، وكما يعبر د. هوفمان : " عوض الغرب خسارته في الإيمان بالله بإيمان لا حدَّ له بالتقدم الذي جعل العالم يبدو أكثر استناره وعقلانية .... رغم كوارث المائة عام الماضية بطريقة لا تصدَّق أن الإيمان الأبله للغرب بالإله الجديد " التقدم " ما زال سائداً . يمكن للمفكرين الغربيين أن يستنتجوا – وقليل منهم فعلوا – أن الأحداث الرهيبة للقرن " العشرين " نفت إمكانية أن تعتمد الأخلاق على التقدم . تسليم الإنسان للأوامر الأخلاقية الإلهية – ولا شيء غير ذلك – يمكن أن يضبط الأعمال الأخلاقية للأفراد والجماعات " ( ص 26- 29) .
- سيادة فكرة النسبية في القيم الخلقية ، وليست النسبية محكومة دائماً بالعقل والمنطق ولكنها – في الغالب إن لم يكن دائماً – محكومة بالهوى والوهم وإيحاءات الـ Culture .
لقد كان من الطبيعي أن تتأثَّر الأخلاق في العلاقات الدولية في الغرب بنظرته إلى الأخلاق بوحه عام . ولا يقتصر الأمر على هذا ، فمن وراء ذلك تعاني القوة الإلزامية للقيم الأخلاقية في مجال العلاقات الدولية من عوامل ضعف أخرى وربما أبلغ .
ينسب فرانكل " إلى الدكتور رينولد نيبر قوله إن البشر بدلاً من أن يمدوا قواعدهم الأخلاقية لتشمل السياسة الدولية ينزعون إلى استخدام السياسة للتنفيس عن نزعاتهم اللاأخلاقية وأنهم بالتالي بشر أخلاقيون في مجتمع لا أخلاقي"(ص171) .
وحتى عندما نسلم بأن للقيم الأخلاقية أثراً ما في العلاقات الدولية تواجهنا مشكلة أخرى ، هي الغموض في تحديد الأخلاق الدولية . يقول فرانكل "إن الذي يجعل الأخلاق الدولية على ما هي عليه من غموض هو أن معناها لم يحدَّد فقط بوضوح كما أنه لم يوجد بعدُ اتفاقٌ بين المفكرين على العلاقة بين قواعد الأخلاق الفردية وقواعد الأخلاق الدولية ، تذهب إحدى المدارس الفكرية متبعة في ذلك ميكيافيلي إلى إنكار الأخلاق الدولية كلية .
إن أي تحليل واقعي للعلاقات الدولية لا يسعهُ أن يتقبل دون مناقشة دعاوى رجال السياسة المكررة في كل البلدان بأنهم محكومون بالقيم الأخلاقية . إن من الواضح أن الأخلاق كثيراً تستدعى وبأسماء مختلفة لا لشيء إلا لإضفاء قدر من الاحترام على المصالح الأنانية للدولة ، كما أن اللجوء إلى الأخلاقية تبرير شائع مريح في يد الطرف الذي يعارض الحقوق القانونية لطرف آخر " (ص169) .
لعل النتيجة التي ينتهي إليها القارئ مما سبق أن الحقيقة الواقعة أن العلاقات الدولية في الحضارة المعاصرة ترتكز أساساً إن لم يكن كلياً على المصلحة الوطنية ، والقوة .
1 – المصلحة الوطنية :
يقول فرانكل " المصلحة الوطنية هي " المفتاح الأساسي "في السياسة الخارجية ، ويرتد هذا المفهوم في جوهره إلي مجموع القيم الوطنية ، تلك القيم النابعة من الأمة والدولة في نفس الوقت ، غير أن هذا المفهوم لا يخلو من غموض .. وإذا كان من الصعب بيان المقصود بالمصلحة الوطنية بفكرة مجردة ، فإن من المستحيل أن نجد إجماعاً على ما تعنيه في قضية معينة ، إن الجدل المتكرر حول السياسة الخارجية يتركز حول التفسيرات المختلفة لمتطلبات المصلحة الوطنية .. تحكم تصرفات الساسة جميعاً مصالحهم الوطنية المختلفة ، غير أنَّ هذا لا يعني أنه ليس بوسعهم البتة الاتفاق على شيء ما ، بل على العكس كثيراً ما يتفقون ، وإن كان هذا الاتفاق ينطلق أيضاً من مصالحهم الوطنية ، فإذا وافق سياسي على تقديم تنازلات فإنه لا يفعل ذلك إلا إذا اقتنع أن عمله سيعطي دولته بعض المزايا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة .. إن فكرة المصلحة الوطنية مبنية على وجود قيم في الجامعة الوطنية ، هذه القيم التي يمكن أن نعتبرها نتاج ثقافتها ومعبراً عن روح تجانسها ... غير أنّ العلاقة بين هذه القيم وبين الأهداف السياسية المحددة تتطلب شرحاً أكبر ، إن القيم تنتمي إلى مجال " ما يجب أن يكون " ، وليس من الضروري أن تترجم إلى أهداف سياسية محددة ... إن النظم القيمية يعوزها اليقين عامة ، بل إنها أحياناً تتضمن قيما متضاربة ، الأمر الذي يثير مشكلة : أي هذه .... الواجب التطبيق في الحالات المعروضة وقد تتعقد الأمور أكثر من ذلك ، وقد يستهدف الساسة التضليل من وراء تصرفاتهم ، بل إنه طبقاً لنظرية فرويد لا يعرفون بالضبط حقيقة الدوافع التي تُسيرهم ، وأخيراً فإن الثقافات المختلفة لا تعطي الأهمية لنفس القيم .. ولقد كان الإنسان يسعى طوال تاريخ الفكر السياسي إلى تصوير قيمة عليا تتخذ معياراً عاماً لتصرفاته ، وللأسف فإن مجرَّد وجود نظريات متناقضة في هذا الموضوع يعني الشكَّ في إمكانية أن تكون أي منها صحيحة كل الصحَّة . ومعيار المصلحة الوطنية – رغم شعبته – شديد الغموض ... وعندما تصطدم قيمتان أو أكثر فيما بينها فإن الأهمية النسبية لأي منها يجب أن تقدر وترسى ... وهذا التصنيف للقيم ليس سهلاً ، لأن التركيز على أهميتها يتراوح من حالة إلى أخرى ، وكثيراً ما تحكمه العواطف ... لا تبلغ القيم ذروة مدلولها السياسي إلا في الممارسة ، أي عندما يحاول رجل الدولة أن يطابقها بالصورة الذهنية التجريدية الغامضة التي لديه عن البيئة .. وهمزة الوصل الأساسية بين البيئة ورجل الدولة هي المعلومات ... وبرغم أنه بإمكان كبار المسؤولين أن يطلعوا اطلاعاً تاماً على المعلومات المتوافرة لحكوماتهم ، إلا أنَّهم لا يستطيعون بأي حال من الأحوال هضم كل هذه المعلومات ، وعندما تحمل المعلومات إليهم فإنها تكون في العادة قد تكثفت وانفصلت عن الواقع إلى درجة تسمح بإساءة تفسيرها تماماً .