(وقالت اليهود:يد اللّه مغلولة ! غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا . بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء .وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً . . .) . . . [ المائدة:64 ] .
(لقد كفر الذين قالوا:إن اللّه هو المسيح ابن مريم . . .) . . . [ المائدة:72 ] .
(لقد كفر الذين قالوا:إن اللّه ثالث ثلاثة . . .) . . . [ المائدة:73 ]
(لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) . . "البينة:1" .
وغيرها كثير , أثبتنا بعضه فيما تقدم , والقرآن الكريم - مكيُّه ومدنيّه - حافل بمثل هذه التقريرات .
وإذا كانت الأحكام القرآنية قد جعلت لأهل الكتاب بعض الامتيازات في التعامل عن المشركين . وذلك كإحلال طعامهم للمسلمين , وإجازة التزوج بالمحصنات [ أي العفيفات ] من نسائهم . . فإن ذلك لم يكن مبيناً على أساس أنهم على شيء من دين اللّه الحق ; ولكن كان مراعى فيه - واللّه أعلم - أن لهم أصلاً من دين وكتاب - وإن كانوا لا يقيمونه - فمن الممكن محاكمتهم إلى هذا الأصل الذي يدعون أنهم عليه ! فهم في هذا يفترقون عن المشركين الوثنيين الذين لا كتاب لهم ; لأنه ليس لهم من أصل يردون إليه ويمكن محاكمتهم له . .
أما تقريرات القرآن عن حقيقة ما عليه أهل الكتاب من عقيدة ودين , فهي صريحة وحاسمة في أنهم ليسوا على شيء من دين اللّه ; بعد ما تركوا كتبهم ودينهم إلى ذلك الذي صنعه لهم أحبارهم ورهبانهم ومجامعهم وكنائسهم ! وفي قول اللّه - سبحانه - فصل الخطاب في هذا الموضوع !
والمهم الآن أن نبرز دلالة هذا البيان الرباني لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من العقيدة والدين . .
إن هذه "اللافتة " المضللة التي ليس وراءها شيء من الحقيقة , تحول دون الانطلاق الإسلامي الكامل لمواجهة "الجاهلية " . فتتحتم - إذن - إزالة هذه اللافتة ; وتعريتهم من ظلها الخادع ; وكشفهم على حقيقتهم الواقعة . . ولا نغفل الملابسات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومذاك - والتي أشرنا إليها من قبل - سواء منها ما يختص بالتكوين العضوي لهذا المجتمع يومها , وما يختص بظروف الغزوة ذاتها في الحر والعسرة ! وما يختص كذلك بالتهيب من لقاء الروم بسبب ما كان لهم في نفوس العرب - قبل الإسلام - من هيبة وسمعة ومخافة ! . . ولكن الأعمق من هذا كله هو ما يحيك في النفس المسلمة , عند الأمر بقتال أهل الكتاب على هذا النحو الشامل . . وهم أهل كتاب !!!
وأعداء هذا الدين , الراصدون لحركات البعث الإسلامي الجديدة في هذا الجيل يرصدونها عن خبرة واسعة بطبيعة النفس البشرية , وبتاريخ الحركة الإسلامية , على السواء . . وهم من أجل ذلك حريصون - كل الحرص - على رفع "لافتة إسلامية " على الأوضاع والحركات والاتجاهات والقيم والتقاليد والأفكار التي يعدونها ويقيمونها ويطلقونها لسحق حركات البعث الإسلامي الجديدة في أرجاء الأرض جميعاً . ذلك لتكون هذه اللافتة الخادعة مانعة من الانطلاق الحقيقي لمواجهة "الجاهلية " الحقيقية القابعة وراء تلك اللافتة الكاذبة !
لقد أخطأوا - مضطرين - مرة أو مرات في إعلان حقيقة بعض الأوضاع والحركات ; وفي الكشف عن الوجه الكالح للجاهلية المنقضة على الإسلام فيها . . وأقرب مثال لذلك حركة "أتاتورك" اللاإسلامية الكافرة في تركيا . . وكان وجه الاضطرار فيها هو حاجتهم الملحة إلى إلغاء آخر مظهر للتجمع الإسلامي تحت راية العقيدة . ذلك المظهر الذي كان يتمثل في قيام "الخلافة " . . وهو - وإن كان مجرد مظهر - كان آخر عروةتنقض قبل نقض عروة الصلاة ! كما قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - " ينقض هذا الدين عروة عروة , فأولها الحكم , وآخرها الصلاة " . .
ولكن أولئك الأعداء الواعين - من أهل الكتاب والملحدين الذين لا يجتمعون إلا حين تكون المعركة مع هذا الدين ! - لم يكادوا يتجاوزون منطقة الاضطرار في الكشف عن الوجهة اللاإسلامية الكافرة في حركة "أتاتورك" حتى عادوا يحرصون بشدة على ستر الأوضاع التالية المماثلة لحركة "أتاتورك" في وجهتها الدينية , بستار الإسلام ; ويحرصون على رفع تلك اللافتة الخادعة على تلك الأوضاع - وهي أشد خطراً على الإسلام من حركة أتاتورك السافرة - ويفتنون افتناناً في ستر حقيقة هذه الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها اقتصادياً وسياسياً وفكرياً ; ويهيئون لها أسباب الحماية بأقلام مخابراتهم وبأدوات إعلامهم العالمية ; وبكل ما يملكونه من قوة وحيلة وخبرة ; ويتعاون أهل الكتاب والملحدون على تقديم المعونات المتنوعة لها ; لتؤدي لهم هذه المهمة التي لم تنته منها الحروب الصليبية قديماً ولا حديثاً ; يوم كانت هذه الحروب الصليبية معركة سافرة بين الإسلام وأعدائه المكشوفين الظاهرين !