فالمقصود من الآية الكريمة تعجيب المؤمنين من سوء أحوال أولئك الأحبار ، وتحذير لهم من موالاتهم أو من الاستماع إلى أكاذيبهم وشبهاتهم .
والخطاب لكل من يصلح له من المؤمنين . وتوجيهه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - هنا مع توجيهه بعد ذلك إلى الكل - فى قوله ﴿ أَن تَضِلُّواْ ﴾ - للإِيذان بكما لشهرة شناعة حال أولئك اليهود ، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها أو يعلمها .
وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم أوتوا نصيباً من الكتاب ، ولم يؤتوا الكتاب كله ، لأنهم نسوا حظا كبيراً مما ذكروا به ، ولم يبق عندهم من علم الكتاب إلا القليل ، وهذا القليل لم يعملوا به بل حرفوه وبدلوه وأخضعوا تفسيره لأهوائهم وشهواتهم .
وقوله ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السبيل ﴾ هو موطن التعجب من شأنهم لأنهم لا يطلبون الضلالة بفتور أو تريث وإنما يطلبونها بشراهة ونهم ويدفعون فيها أغلى الأثمان وهو الهدى ، ولا يكتفون بذلك بل يبتغون من المؤمنين أن يكونوا مثلهم فى الضلال .
وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى - ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ﴾ وذكر سبحانه - الشئ الذى اشتروه وهو الضلالة ، وطوى ذكر المتروك وهو الهدى ، للايذان بغاية ظهوره . وللاشعار بأنهم قوم يطلبون الضلالة فى ذاتها . وأن البعد عن الحق والهدى مطلب من مطالبهم يدفعون فيه الثمن عن رغبة ، وذلك لأنهم قوم مردوا على الضلالة فغدوا لا يستمرئون سواها ، ولا يركنون إلا إليها . وإن قوما هذا شأنهم لجديرون بالابتعاد عنهم ، والتحقير من أمرهم . لأنك - كما يقول الفخر الرازى - لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذهين الأمرين : أعنى الضلال والإِضلال .
قال الآلوسى : وقوله : ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة ﴾ . . الخ استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعجب المفهومين من صدر الكلام ، مبنى على سؤال نشأ منه كأنه قيل : ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم؟ فقيل يختارون الضلالة على الهدى أو يستبدلوها بعد تمكنهم منه . . . . وذهب أبو البقاء إلى أن جملة ﴿ يَشْتَرُونَ ﴾ حالة مقدرة من ضمير ﴿ أُوتُواْ ﴾ أو حال من ﴿ الذين ﴾ .
وقوله ﴿ والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ جملة معترضة للتأكيد والتحذير .
أى : والله - تعالى - أعلم أعدائكم منكم - أيها المؤمنون - وقد أخبركم بأحوالهم وبما يبيتون لكم من شرور فاحذروهم ولا تلتفتوا إلى أقوالهم وأعدوا العدة لتأديبهم دفاعا عن دينكم وعقيدتكم .
وقوله ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً ﴾ تذييل قصد به غرس الطمأنينة فى نفوس المؤمنين بأن العاقبة لهم .
أى : ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً ﴾ يتولى أموركم ، ويصلح بالكم ، ﴿ وكفى بالله نَصِيراً ﴾ يدفع عنكم مكرهم وشرورهم؛ وما دام الأمر كذلك فاكتفوا بولايته ونصرته . واعتصموا بحبله ، وأطيعوا أمره ، ولا تكونوا فى ضيق من مكر أعدائكم فإن الله ناصركم عليهم بفضله وإحسانه .
وقوله ﴿ وكفى ﴾ فعل ماض . ولفظ الجلالة فاعل والباء مزيدة فيه لتأكيد الكافية . ووليا ونصيرا منصوبان على التمييز . وقيل على الحال .
وكرر - سبحانه - الفعل كفى لإِلقاء الطمأنينة فى قلوب المؤمنين ، لأن التكرار فى مثل هذا المقام يكون أكثر تأثيرا فى القلب ، وأشد مبالغة فيما سيق الكلام من أجله .
فكأنه - سبحانه - يقول لهم : اكتفوا بولاية الله ونصرته ، وكفاكم الله الولاية والنصرة والمعونة . ومن كان الله كافيه نصره على عدوه فاطمئنوا ولا تخافوا .
ثم ذكر - سبحانه - ألوانا من الأقوال والأعمال القبيحة التى كان اليهود يقولونها ويفعلونها للإِساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين فقال : ﴿ مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ . وتحريف الشئ إمالته وتغييره . ومنه قولهم : طاعون يحرف القلوب ، أى يميلها ويجعلها على حرف ، أى جانب وطرف . وأصله من الحرف يقال : حرف الشئ عن وجهه ، صرفه عنه .