تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بريءٍ من ذلك، ووسمه بميسم سوءٍ يبقى عليه عاره أبداً، والآفة تدخل في هذا: تارةً من الهوى والغرض الفاسد، وكلام المتقدِّمين سالمٌ من هذا غالباً، وتارةً من المخالفة في العقائد، وهو موجودٌ كثيراً قديماً وحديثاً، ولا ينبغي إطلاق الجرح بذلك (1).

وكان العلماء قديماً يختلف بعضهم مع بعض، ويُحِبُّ بعضهم بعضاً، فنبتت نابتة شاذة لا تؤمن إلا بوجهٍ واحدٍ من وجوه الرأي، وتنكر الخلاف، وتتعصب للحق - في زعمهم - وهو دائماً معهم، ومن خالفهم رموه بكل كبير، واتهموه بالبدعة، والخروج عن الجماعة، وقد يحكمون عليه بالكفر، ويهدرون دمه، ولهم جذورٌ قديمة ذكرها الإمام الذهبي في معرض ترجمته لأبى نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء فقال: كان أبو نعيم في ذلك الوقت مهجوراً بسبب المذهب، وكان بين الأشعرية والحنابلة تعصبٌ زائد يؤدى إلى فتنة، وقيل وقال، وصداع طويل، فقام إليه أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام، وكاد الرجل يُقْتَل.

ثم علَّق الذهبي على هذا الموقف فقال: ما هؤلاء بأصحاب حديث، بل فجرة جهلة، أبعد الله - عز وجل - شرهم (2).

ومن هذا الباب ما ذكره السبكي قال: مما ينبغي تفقُّده - وقد نبَّه عليه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد -: الخلاف الواقع بين كثيرٍ من الصوفية وأصحاب الحديث، فقد أوجب كلام بعضهم في بعض، كما تكلم بعضهم في حق الحارث المحاسبي وغيره، وهذا في الحقيقة داخل في قسم مخالفة العقائد.

والطامَّة الكبرى إنما هي في العقائد المثيرة للتعصب والهوى، نعم وفي المنافسات الدنيوية على حطام الدنيا، وهذا في المتأخِّرين أكثر منه في المتقدِّمين، وأمر العقائد سواء في الفريقين (3).

وهذه أمثلة لكلام الأقران في بعض بسبب اختلاف العقائد:

المثال الأول: قال الذهبي: كان أبو عبد الله بن منده يُقذع المقال في أبى نعيم لمكان الاعتقاد المتنازع فيه بين الحنابلة وأصحاب أبى الحسن - يقصد الأشعري - ونال أبو نعيم أيضاً

(1) () نزهة النظر صـ: 69.

(2) () سير أعلام النبلاء 17/ 460.

(3) () قاعدة في الجرح والتعديل صـ: 54.

كلام الأقران بعضهم في بعض أسبابه ونتائجه · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كلام الأقران بعضهم في بعض أسبابه ونتائجهص ٣٧