سابعاً: الخلافات العقائدية
خلق الله - عز وجل - البشر بطباعٍ مختلفة، وفهومٍ متفاوتة، ولذلك اختلفوا في التعامل مع النص الشرعي، فمنهم من يحمله على الحقيقة، ومنهم من يحمله على المجاز، ومنهم من يقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومنهم من يعكس، ومنهم من يقبل الراوي ويصحح أحاديثه ويحتجُّ بها، ومنهم من يضعفه ويوهن أحاديثه ولا يحتج بها، ومنهم من يفسر اللفظة بمعنىً، ويفسرها غيره بمعنى آخر، ومنهم من يقف عند ظاهر النص لا يتعداه، ومنهم من يهتم بمقصد النص لا بظاهر ألفاظه، إلى غير ذلك من الأسباب المنطقية المقبولة والتي أدَّت إلى وقوع الخلاف في الفروع العقائدية كمسألة: تفضيل أبي بكر - رضي الله عنه - على عليٍّ - رضي الله عنه - كما هو مذهب أهل السنة، أو تفضيل علىٍّ - رضي الله عنه - عليه كما هو مذهب الشيعة، وكمسألة خلق القرآن أو قِدَمِه، وكالقول بخلق أفعال العباد أو عدمه، وكمسألة رؤية الله - عز وجل - في الآخرة أو عدمها، وكعقيدة النصب، والتشيع، والإرجاء، والاعتزال، والقدرية، والجهمية. الخ.
وقد كان أغلبية العلماء - ومازالوا - قديماً يختلفون في جوٍ من الود والمحبة والنقاش العلمي النزيه - مادام للمخالف وجهٌ مقبول، ورأيٌ سائغ، وتأويلٌ مقبول - ويعتبرون الخلاف رحمةً ونعمةً لا شراً ونقمة.
قال الإمام أحمد مادحاً الإمام إسحاق بن راهويه: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً (1).
والخلاف بين العلماء في المذاهب والمشارب أمرٌ مركوزٌ في الطبائع والفِطَر الإنسانية، ولا يمكن انتفاؤه من صفوف أهل العلم والفضل والصلاح، غير أن الخلاف لا يوجب قدحاً في المخالف طالما كان مقبولاً، ومبنياً على الاختلاف في فهم النص الشرعي، غير أن البعض - خاصةً المتأخرين - جرّه الخلاف إلى سوء الظن، فأساء القول ولم يُنصف مخالفه، فتكلم بعض الحنابلة والأشاعرة في بعض، وتكلَّم أصحاب الحديث وأصحاب الرأي في بعض، وتكلَّم أصحاب المذاهب الفقهية والعقدية في بعض. الخ.
قال الإمام مالك: ما في زماننا شيءٌ أقلُّ من الإنصاف.
(1) () تاريخ بغداد 6/ 348.