تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سادساً: التأويل واختلاف الاجتهاد

جرت طبيعة البشر أنهم يختلفون في النظر والحكم على بعض الأشياء، فهذا يحبها وهذا يبغضها، وهذا يقبلها وهذا يرفضها، فقد يدخل بعض العلماء على السلطان ويرى ذلك سائغاً له لنصحه وإرشاده، ولرفع بعض الظلم عن المظلومين، أو لحماية ماله وثروته، أو لغير ذلك من الأسباب التي يراها الداخل على السلطان سائغة، بينما يرى البعض ذلك قادحاً فيه، ويتكلم فيه لذلك.

وقد يأخذ بعض العلماء أجراً على التحديث، ويرى ذلك جائزاً له لأنه يستغرق وقته، وليس عنده ما ينفق منه على أهله، ولم يثبت عنده تحريم هذا الأجر، بينما يرى غيره: عدم جواز ذلك، ويقدح فيه من أجل ذلك.

وقد يرى بعض العلماء جواز التمتع بزينة الحياة الدنيا، فيظهر عليه أثر الغنى في ملبسه ومأكله، فيتهمه البعض، ويقدح فيه من أجل ذلك.

وقد يفتي البعض بتحريم أمرٍ ما، ويفتى غيره بجوازه، فيقدح فيه لذلك. وأمثال هذه الأمور كثير مما تختلف فيه وجهات النظر والطباع، وتتعدد فيه الآراء والاجتهادات، سنة الله - عز وجل - في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولا ضير في هذه الاختلافات، طالما كان المختلفون ملتزمين بقواعد الشرع وأحكام الإسلام، لكنها تجاوزتها أحياناً إلى القدح والتضعيف بما لا يوجب ضعفا.

قال ابن حجر: عاب جماعةٌ من الورعين جماعةً دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط (1).

وهذه أمثلة تُبَيِّن ذلك وتؤكِّده:

المثال الأول: حميد بن هلال العدوي من كبار التابعين، وثَّقه ابن معين، والعجلي، والنسائي وغيرهم، بينما قال يحيى القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه، وقد بيَّن أبو حاتم الرازي سبب قدح

(1) () هدى الساري صـ: 404.

كلام الأقران بعضهم في بعض أسبابه ونتائجه · الصفحة ٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كلام الأقران بعضهم في بعض أسبابه ونتائجهص ٣٢