وعلَّق الإمام القرطبي على ذلك قائلاً: هذا في زمان مالك فكيف في زماننا اليوم؟ الذي عمّ فيه الفساد، وكثر فيه الطغام، وطُلب فيه العلم للرياسة لا للدراية، بل للظهور في الدنيا، وغلبة الأقران بالمراء والجدال الذي يقسي القلب، ويورث الضغن، وذلك مما يحمل عليه عدم التقوى، وترك الخوف من الله تعالى (1).
قلتُ: هذا في زمان القرطبي فكيف في الأزمان المتأخِّرة عنه، والتي شاع فيها الجهل، وغلب فيها الحسد، والتنافس من أجل الدنيا، وأصبح المخالِف يُرمى بالبدعة والكفر لأدنى خلاف، نسأل الله - عز وجل - العفو والستر.
قال ابن حجر: اعلم أنه قد وقع من جماعةٍ الطعن في جماعةٍ بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبُّه لذلك، وعدم الاعتداد به إلا بحق (2).
وقال التاج السبكي: ومما ينبغي أن يُتفقَّد عند الجرح: حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك، وإليه أشار الرافعي بقوله: وينبغي أن يكون المزكُّون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفاً من أن يحملهم ذلك على جرح عدل، أو تزكية فاسق، وقد وقع هذا لكثيرٍ من الأئمة جرحوا بناءاً على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب (3).
وقال أيضا: قد استقرأتُ فلم أجد مؤرِّخاً ينتحل عقيدةً ويخلو كتابه عن الغمز ممن يحيد عنها، سنة الله - عز وجل - في المؤرِّخين، وعادته في النقل، ولا حول ولا قوة إلا بحبله المتين (4).
ولقد حذَّر ابن حجر من يتصدَّى لمهمة الجرح والتعديل من السقوط في شرك الهوى، أو العصبية، أو جرح مخالفه في العقيدة فقال: وليحذر المتكلِّم في هذا الفن من: التساهل في الجرح والتعديل، فإنه إن عدّل أحداً بغير تثبُّت كان كالمثبت حكماً ليس بثابت، فيُخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثاً وهو يظن أنه كذب، وإن جرّح بغير تحرُّز أقدم على الطعن في مسلمٍ
(1) () الجامع لأحكام القرآن للقرطي 1/ 245.
(2) () هدى الساري صـ: 385.
(3) () قاعدة في الجرح والتعديل صـ: 35.
(4) () طبقات الشافعية الكبرى 4/ 162.