تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5= الأصل في أعمال يوم النحر أنها تُرتّب على النحو التالي:

رمي جمرة العقبة، ثم النحر – لِمن كان له هدي –، ثم الْحَلْق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة.

ففي حديث أنس رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلاّقِ: خُذْ، وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيْمَن ثُمَّ الأَيْسَر، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. رواه مسلم.

قال النووي: السُّنَّة تَرْتِيبهَا هَكَذَا. رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة، ثُمَّ الذَّبْح، ثُمَّ الْحَلْق، ثُمَّ طَوَاف الإِفَاضَة. اهـ.

6= قصر بعض العلماء التقديم والتأخير على الْحَلْق والنحر، أيهما قدّم فلا حرج.

ويَرُدّه قول راوي الحديث: فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلاَّ قَالَ: افْعَلْ وَلا حَرَجَ.

والعبرة بِعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وحَمَله بعضهم على حال السهو، عملاً بِرواية: " لم أشعر ".

وهذا أيضا يَرُدّه جوابه عليه الصلاة والسلام؛ لأن جوابه عامّ لكل أحد، ولم يُقصر رفع الحرج عن الناسي فحسب؛ لأن الناسي أصلا مرفوع عنه الحرج، كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، وكما في قوله عليه الصلاة والسلام: إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استُكرهوا عليه. رواه ابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.

7= اخْتَلَف العلماء في تقديم السعي على الطواف، فالجمهور على أن السعي لا بُدّ أن يسبقه طواف.

واختار جَمْع من أهل العلم جواز تقديم السعي على الطواف، لِحديث أسامة بن شَريك رضي الله عنه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه و سلم حاجًّا، فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله، سَعيت قبل أن أطوف، أو قَدّمت شيئا، أو أخَّرت شيئا، فكان يقول: لا حَرَج لا حَرَج. رواه أبو داود بإسناد صحيح.

قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح، كل رجاله رجال الصحيحين إلاَّ أسامة بن شَريك الصحابي. اهـ.

وقد ذَكَر ابن حزم هذا الحديث، ثم قال: فأخذ بهذا جمهور من السلف. ثم ذَكَر من قال به.

وهذا الحديث تأوّله جمهور العلماء على مَن سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة.

وهذا التأويل ضعيف؛ لأنه تحكّم بِلا دليل.

وبعض أهل العلم قال: إن السؤل عن تقديم السعي على الطواف ليس بِمحفوظ.

وهذا لا دليل عليه، وصِحّة الإسناد قاضية على هذا الاحتمال.

وقد سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة هذا السؤال:

معتمر لم يَدْرِ فَسَعى قبل أن يطوف، فهل عليه بعد إعادة الطواف أن يسعى ثانية؟

فأجابت اللجنة:

ليس عليه إعادة السعي؛ لِمَا رَوى أبو داود في سننه بإسناد صحيح إلى أسامة بن شريك قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجًا، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله سَعيت قبل أن أطوف، أو قَدَّمت شيئًا وأخّرت شيئًا، فكان يقول: لا حرج، لا حرج. اهـ.

والذي يظهر التوسّط في المسألة بين القولين:

فلا يُقال باشتراط الطواف قبل السعي في كل حال، ولا بِجوازه في كل حال.

وذلك بأن يُقال: من سعَى في الحج من غير طواف جاز وأجزأ، لأن القَارِن والمفْرِد له أن يسعى بعد طواف القُدُوم، وطواف القدوم في حقّهما سُنَّة.

وأما بالنسبة للعُمرة فإن السعي لا بُدّ أن يتقدّمه طواف؛ لأن السؤال عن التقديم والتأخير لم يقع في شأن أعمال العمرة، وإنما وقع في أعمال الحج.

8= الحكمة في ذلك: التوسعة على الناس، ورفع الحرج عن الأمة. وهذا يُقتصر فيه على النصّ، إذ لا يُستفاد من هذه الأحاديث تعميم قوله: " افعل ولا حرج " في كل شيء؛ لأن الإجماع مُنعقد على أن الحاج لو قدَّم طواف الإفاضة على وقوف عرفة لم يُجزئه. وكذلك لو قدّم وقوف عرفة قبل يوم عرفة، أو قدّم المبيت بِمزدلفة قبلها بليلة، أو أخّرَه بعدها بِليلة، لم يصحّ منه.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٣٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٣٩٨