عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ , مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ , وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.
فيه مسائل:
1= قوله: " دَخَلَ مَكَّةَ "
وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم لَمّا جاء إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها. رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية للبخاري: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، وَخَرَجَ مِنْ كُدًا مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ.
قال ابن عبد البر: هكذا يروون فيهما، الأولى بالفتحة، والثانية بالضمة. اهـ.
وكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طِوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. رواه البخاري ومسلم.
وحديث ابن عمر – هذا – أوْلَى أن يكون حديث الباب لِعلاقته بالحج أكثر من حديث عائشة، إذ هو في دخول النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، كما جاء مُصرَّحًا به.
2= كداء
قال ابن بطال: وإذا فتحت الكاف من كَدَاء مُددت، وإذا ضممتها قَصَرْت. وقد قيل: كدى بالضم هو أعلى مكة. وقيل: بل كَداء بفتح الكاف أعلى مكة، وهو أصح.
قال الباجي: الثَّنِيَّةِ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ هِيَ كَدَاءٌ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَاَلَّتِي بِأَسْفَلِ مَكَّةَ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ.
وقال ابن الأثير: وكداء بالفتح والمد الثنية العليا بمكة مما يلي المقابر، وهو المعلا، وكدى بالضم والقصر الثنية السفلى مما يلي باب العمرة. اهـ.
وذَكَر النووي أن كَداء هي الثنية التي بأعلى مكة، وكدى وهي التي بأسفل مكة.
وقال: وَأَمَّا " كُدَيّ " بِضَمِّ الْكَاف وَتَشْدِيد الْيَاء فَهُوَ فِي طَرِيق الْخَارِج إِلَى الْيَمَن، وَلَيْسَ مِنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فِي شَيْء، هَذَا قَوْل الْجُمْهُور.
وقال ابن رجب: وذو طوى: يُروى بضم الطاء وكسرها وفتحها، وهو وادٍ معروف بمكة بين الثنيتين، وتسمى أحداهما: ثنية المدنيين، تشرف على مقبرة مكة، وثنية تهبط على جبل يسمى: الحصحاص، بحاء مهملة وصادين مهملين. اهـ.
وقال الزرقاني: كَداء بفتح الكاف والدال المهملة ممدود منوّن. وقيل: لا يُصرف على إدارة البقعة للعلمية والتأنيث
3= اخْتُلِف في فعله صلى الله عليه وسلم، هل هو مقصود؟ وهل هو سُنّة؟
قَالَت عَائِشَة: نُزُولُ الأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ. رواه مسلم.
وقَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَنْزِلَ الأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى، وَلَكِنِّي جِئْتُ فَضَرَبْتُ فِيهِ قُبَّتَهُ، فَجَاءَ فَنَزَلَ. رواه مسلم.
وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ عَلَى كِلْتَيْهِمَا مِنْ كَدَاءٍ وَكُدًا، وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. رواه البخاري.
ويُفهَم من تبويب البخاري أنه يَرى سُنّيّته، فقد عقد بابًا قال فيه: بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ؟ وقبله: بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ مَكَّةَ؟
قال المهلب: أما دخوله عليه السلام مرّة من أعلى مكة ومرّة من أسفلها، فإنما فَعله ليُعَلِّم الناس السَّعة في ذلك، وأن ما يمكن لهم منه فمجزئ عنهم، والله أعلم.
قال ابن بطال: ألا ترى أن عروة كان يفعل ذلك؟. اهـ.