تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أن سليمان عليه السلام ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله وذلك أنهم كانوا يقدرون في أنفسهم أنهم سيستريحون مما هم فيه من تسخير سليمان إياهم على التكاليف الشاقة والأعمال المستمرة الدائمة بموته ، فلما ولد له ابن قال بعضهم لبعض : إن عاش له ولده لم ننفك عما نحن فيه من البلاء ، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله.

والتخبيل : إفساد العقل والعضو فلم سليمان بذلك فأمر السحاب ، فحكله وكانت الريح تعطيه غذاءه وربا فيه خوفا من مضرة الشياطين فابتلاه الله لأجل خوفه هذا وعدم توكله في أمر ابنه على ربه العزيز بموت ابنه حيث مات في السجاب وألقي ميتا على كرسيه ، فهو المراد من الجسد الملقى على كرسيه.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

قال في "شرح المقاصد" : فتنبه لخطئه في ترك التوكل فاستغفر وتاب ، فهذا مما لا بأس به وغايته ترك الأولى إذ ليس في التحفظ ومباشرة الأسباب ترك الامتثال لأمر التوكل على ما قال عليه السلام : "اعقلها وتوكل".

انتهى.

فإن قلت : كان الشياطين يصعدون إلى السماء وقتئذ فما فائدة رفعه في السحاب في المنع عنهم.

قلت : فائدته أن الشياطين التي خاف سليمان على ابنه منهم كانوا في خدمته الدائمة في الأرض فكان في الرفع إلى السحاب رفعه عن أبصارهم وتغييبه عن عملهم وتسليمه إلى محافظة الملائكة ، ولما ألقي ابنه الميت على كرسيه جزع سليمان عليه إذ لم يكن له إلا ابن واحد ، فدخل عليه ملكان ، فقال أحدهما : إن هذا مشى في زرعي ، فأفسده ، فقال له سليمان : لم مشيت في زرعه؟ قال : لأن هذا الرجل زرع في طريق الناس ، فلم أجد مسلكا غير ذلك.

فقال سليمان للآخر : لم زرعت على طريق الناس ، أما علمت أن الناس لا بد لهم من طريق يمشون

32

فيه ، فقال لسليمان : صدقت لم ولدت على طريق الموت ، أما علمت أن ممر الخلق على الموت ، ثم غابا عنه ، فاستغفر سليمان وأناب إلى الله تعالى : قال الشيخ سعدي قدس سره :

مكن خانه در راه سيل اي غلام

كه كس را نكشت اين عمارت تمام

نه از معرفت باشد وعقل ورأى

كه در ره كند كارواني سراي

ز هجران طفلي كه در خاك رفت

جه نالي كه باك آمد وباك رفت

توباك آمدي بر حذر باش وباك

كه ننكست ناباك رفتن بخاك

مكن عمر ضايع بافسوس وحيف

كه فرصت عزيز ست والوقت سيف

قال الكاشفي : (ومشهور آنست كه بواسطه ترك ازلي انكشتر مملكت سليمان بدست صخر جن افتاد وجهل روز برتخت سليمان نشست وباز آن خاتم بدست سليمان آمد بمملكت بازكشت).

فيكون المعنى : ولقد ابتليناه بسبب ملكه وألقينا على كرسيه جسدا ، يعني : العفريت الذي أخذ خاتمه وجلس على كرسيه وهو صخر صاحب البحر على أشهر الأقاويل وسمي جسدا ؛ لأنه تمثل بصورة سليمان ، ولم يكن هو فكان جسدا محضا وصورة بلا معنى ، ثم أناب ؛ أي : رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما.

يقول الفقير : أرشده الله القدير هذا وإن كان مشهورا محررا خصوصا في نظم بعض العرب والعجم ، لكنه مما ينكر جدا ولا يكاد يصح قطعا ، وذلك لوجوه :

أحدها : أنه ليس في جلوس الجن على الكرسي معنى الإلقاء إلا أن يتكلف.

والثاني : أن جميع الأنبياء معصومون من أن يظهر شيطان بصورهم في النوم واليقظة لئلا يشتبه الحق بالباطل ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام صور الاسم الهادي ومظاهر صفة الهداية والشيطان مظهر الاسم المضل والظاهر بصفة الضلالة فهما ضدان ، فلا يجتمعان ، ولا يظهر أحدهما بصورة الآخر.

وقس على الأنبياء أحوال الكمل من الأولياء ، فإنهم ورثتهم ومتحققون بمعارفهم وحقائقهم.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

فإن قيل : عظمة الحق سبحانه أتم من عظمة كل عظيم ، فكيف امتنع على إبليس أن يظهر بصورة الأنبياء مع أن اللعين قد تراءى لكثيرين وخاطبهم بأنه الحق طلبا لإضلالهم.

وقد أضل جماعة بمثل هذا حتى ظنوا أنهم رأوا الحق وسمعوا خطابه.

قلنا : إن كل عاقل يعلم أن الحق ليست له صورة معينة معلومة توجب الاشتباه ، ولذا جوز بعض العلماء رؤية الله في المنام في أي صورة كانت ، لأن ذلك المرئي غير ذات الله إذ ليس لها صورة.

وأما الأنبياء فإنهم ذوو صور معينة معلومة مشهودة توجب الاشتباه.

والثالث : أنه كيف يصح من الحكيم أن يجلس شيطانا من الشياطين على كرسي نبي من الأنبياء ويسلطه على المسلمين ويحكمه عليهم مع أنه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا أبدا.

كس نيايد يزير سايه بوم

ورهماي ازجهان شود معدوم

والرابع : أن الخاتم كان نورانيا فكيف صح أن يستقر في يد الشيطان الظلماني بطريق تقلد الحكومة ، وقد ثبت أن الشيطان يحرقه النور مطلقا ، ولذا جعل الشهاب رجما للشياطين.

والخامس : أنه كان ملك سليمان في الخاتم ، فكيف يصح أن يجلس الجني على كرسيه على تقدير قذف الخاتم في البحر على ما قالوا.

قال في "كشف الأسرار" : (ملك سليمان در خاتم وى بود

33

ونكين آن خاتم كبريت أحمر بود).

انتهى.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ٢٤