تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وإن كانوا ليقولون﴾ إن هي المخففة من الثقيلة وضمير الشان محذوف واللام هي الفارقة بينها وبين النافية وفي الإتيان بأن المخففة واللام إشارة إلى أنهم كانوا يقولون ما قالوه مؤكدين جادين فيه فكم بين أول أمرهم وآخره.

والمعنى وأن الشان كان قريش تقول قبل المبعث : ﴿لو أن عندنا ذكرا من الاولين﴾ أي كتابا من كتب الأولين من التوراة والإنجيل وبالفارسية : (اكربودى نزديك ما كتابي كه سبب بند ونصيحت بودى)

496

﴿لكنا عباد الله المخلصين﴾ أي لأخلصنا العبادةولما خالفنا كما خالفوا ﴿فكفروا به﴾ الفاء فصيحة أي فجاءهم ذكر أي ذكر سيد الأذكار وكتاب مهيمن على سائر الكتب والأسفار وهو القرآن فكفروا به وأنكروه وقالوا في حقه وفي حق من أنزل عليه ما قالوا ﴿فسوف يعلمون﴾ أي عاقبة كفرهم وغائلته من المغلوبية في الدنيا والعذاب العظيم في العقبى وهو وعيد لهم وتهديد.

وفيه إشارة إلى تنزل الإنسان إلى الدرك الأسفل وإلى أن مآل الدعوى بلا تطبيق للصورة بالمعنى خزي وقهر وجلال عصمنا الله الملك الكريم المتعال.

قال بعضهم : وكان الملامية الذين هم أكابر القوم لا يصلون مع الفرائض إلا ما لا بد منه من مؤكدات النوافل خوفا أن يقوم بهم دعوى أنهم أتوا بالفرائض على وجه الكمال الممكن وزادوا على ذلك فإنه لا نفل إلا عن كمال فرض ونعم ما فهموا ولكن ثم ما هو أعلى وهو أن يكثروا من النوافل توطئة لمحبة الله لهم ثم يرون ذلك جبرا لبعض ما في فرائضهم من النقص وفي الحديث "حسنوا نوافلكم فبها تكمل فرائضكم" وفي المرفوع : "النافلة هدية المؤمن إلى ربه فليحسن أحدكم هديته وليطيبها" ولكون الهدية سببا للمحبة قال عليه السلام : "تهادوا تحابوا".

جزء : 7 رقم الصفحة : 444

واعلم أن القرآن ذكر جليل أنزل تذكيرا للناس وطردا للوسواس الخناس فإنه كلما ذكر الإنسان خنس الشيطان أي تأخر والقرآن وإن كان كله ذكرا لكن ما كل آي القرآن يتضمن ذكر الله فإن فيه حكاية الأحكام المشروعة وفيه قصص الفراعنة وحكايات أقوالهم وكفرهم وإن كان في ذلك الأجر العظيم من حيث هو قرآن بالإصغاء إلى القارىء إذا قرأه من نفسه وغيره فذكر الله إذا سمع في القرآن أتم من استماع قول الكافرين في الله ما لا ينبغي فالأول من قبيل استماع القول الأحسن والثاني من استماع القول الحسن فاعرف ذلك.

ويستحب لقارىء القرآن في المصحف أن يجهر بقراءته ويضع يده على الآية يتتبعها فيأخذ اللسان حظه من الرفع ويأخذ البصر حظه من النظر واليد حظها من المس وكان كبار السلف يقرأون على سبيل التأني والتدبر للوقوف على أسراره وحقائقه كما حكي أن الشيخ العطار قدس سره كان يختم في أوائله في كل يوم ختمة وفي كل ليلة ختمة ثم لما آل الأمر إلى الشهود وأخذ الفيض من الله ذي الجود بقي في السبع الأول من القرآن أكثر من عشرين سنة ومن الله العناية والهداية ﴿ولقد سبقت﴾ أي وبالله لقد تقدمت في الأزل أو كتبت في اللوح المحفوظ ثم إن السبق والتقدم الموقوف على الزمان إنما هو بالنسبة إلى الإنسان وإلا فالأمر بالإضافة إلى الله كائن على ما كان ﴿كلمتنا﴾ وعدنا على مالنا من العظمة ﴿لعبادنا﴾ الذين أخلصوا لنا العبادة في كل حركة وسكون ﴿المرسلين﴾ الذين زدناهم على شرف الإخلاص في العبودية شرف الرسالة ثم فسر ذلك الوعد بطريق الاستئناف فقال : ﴿إنهم لهم﴾ خاصة ﴿المنصورون﴾ فمن نصرناه فلا يغلب كما أن من خذلناه لا يغلب ثم عمم فقال : ﴿وإن جندنا﴾ أي من المرسلين وأتباعهم المؤمنين والجند العسكر ﴿لهم﴾ أي لا غيرهم ﴿الغالبون﴾ على أعدائهم في الدنيا والآخرة وإن رؤي أنهم مغلوبون في بعض المشاهد لأن العاقبة لهم والحكم للغالب والنادر كالمعدوم والمغلوبية لعارض كمخالفة أمر الحاكم

497

وطمع الدنيا والعجب والغرور ونحو ذلك لا تقدح في النصر المقضي بالدات.

والنصر منصب شريف لا يليق إلا بالمؤمن وأما الكافر فشأنه الاستدراج وغاية الخذلان.

وقال بعضهم : لم يرد بالنصر هذا النصر المعهود بل الحجة لأن الحق إنما يتبين من الباطل بالحجة لا بالسيف فأراد بذلك أن الحجة تكون للأنبياء على سائر الأمم في اختلاف الأطوار والأعصار.

وقال الحسن البصري رحمه الله : أراد بالنصرة هذه النصرة بعينها دون الحجة ثم قال ما انتهى إلى أن نبيا قتل في حرب قط.

جزء : 7 رقم الصفحة : 444

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٧ · الصفحة ٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٧ · ص ٣٨٧