تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئةا بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون * أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدرا إن فى ذالك لايات لقوم يؤمنون * فاات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيلا ذالك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك﴾ .

﴿أولم يروا﴾ أي : ألم ينظروا ولم يشاهدوا ﴿أن الله﴾ الرزاق ﴿يبسط الرزق لمن يشآء﴾ أي : يوسعه لمن يرى صلاحه في ذلك ويمتحنه بالشكر ﴿ويقدر﴾ أي : يضيقه لمن يرى نظام حاله في ذلك ويمتحنه بالصبر ليستخرج منهم بذلك معلومه من الشكر والكفران والصبر والجزع فمالهم لا يشكرون في السراء ولا يتوقعون الثواب بالصبر في الضراء كالمؤمنين.

قال شقيق رحمه الله كما لا تستطيع أن تزيد في خلقك ولا في حياتك كذلك لا تستطيع أن تزيد في رزقك فلا تتعب نفسك في طلب الرزق.

رزق اكر بر آدمى عاشق نمى باشد را

اززمين كندم كريبان اك مى آيد را

38

﴿إن فى ذالك﴾ المذكور من القبض والبسط ﴿لايات لقوم يؤمنون﴾ فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة ، قال أبو بكر محمد بن سابق :

فكم قوي قوي في تقلبه

مهذب الرأي عنه الرزق ينحرف

وكم ضعيف ضعيف في تقلبه

كأنه من خليج البحر يغترف

هذا دليل على أن الاله له

في الخلق سر خفي ليس ينكشف

وحكي أنه سئل بعض العلماء ما الدليل على أن للعالم صانعا واحدا؟ قال : ثلاثة أشياء : ذل اللبيب ، وفقر الأديب ، وسقم الطبيب.

قال في "التأويلات النجمية" : الإشارة فيه إلى أن لا يعلق العباد قلوبهم إلا بالله لأن ما يسوءهم ليس زواله إلا من الله وما يسرهم ليس وجوده إلا من الله فالبسط الذي يسرهم ويؤنسهم منه وجوده والقبض الذي يسوءهم ويوحشهم منه حصوله فالواجب لزوم بابه بالأسرار وقطع الأفكار عن الأغيار انتهى ؛ إذ لا يفيد للعاجز طلب مراده من عاجز مثله فلا بد من الطلب من القادر المطلق الذي هو الحق.

قال إبراهيم بن أدهم قدس سره : طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر.

فعلى العاقل تحصيل سكون القلب والفناء عن الإرادات فإن الله تعالى يفعل ما يريد على وفق علمه وحكمته.

وفي الحديث "إنما يخشى المؤمن الفقر مخافة الآفات على دينه" فالملحوظ في كل حال تحقيق دين الله المتعال وتحقيقه إنما يحصل بالامتثال إلى أمر صاحب الدين وقد أمر بالتوكل واليقين في باب الرزق فلا بد من الائتمار وإخراج الأفكار من القلب فإن من شك في رازقه فقد شك في خالقه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 3

كما حكي أن معروفا الكرخي قدس سره اقتدى بإمام فسأله الإمام بعد الصلاة وقال له : من أين تأكل يا معروف؟ فقال معروف : اصبر يا إمام حتى أقضي ما صليت خلفك ثم أجيب فإن الشاك في الرازق شاك في الخالق ولا يجوز اقتداء المؤمن الموقن بالمتزلزل المتردد ولذا قال تعالى : ﴿لقوم يؤمنون﴾ فإن غير المؤمن لا يعرف الآيات ولا يقدر على الاستدلال بالدلالات فيبقى في الشك والتردد والظلمات.

قال هرم لأويس رضي الله عنه : أين تأمرني أن أكون فأومأ إلى الشام فقال هرم : كيف المعيشة بها قال أويس : أف لهذه القلوب قد خالطها الشك فما تنفعها العظة أي : لأن العظة كالصقر لا يصيد إلا الحي والقلب الذي خالطه الشك بمثابة الميت فلا يفيده التنبيه نسأل الله سبحانه أن يوقظنا من سنة الغفلة ولا يجعلنا من المعذبين بعذاب الجهالة إنه الكريم الرؤوف الرحيم.

﴿فاات﴾ أعط يا من بسط له الرزق ﴿ذا القربى﴾ صاحب القرابة ﴿حقه﴾ من الصلة والصدقة وسائر المبرات يحتج أبو حنيفة رحمة الله بهذه الآية على وجوب النفقة لذوي الأرحام المحارم عند الاحتياج ويقيسهم الشافعي على ابن العم فلا يوجب النفقة إلا على الولد والوالدين لوجود الولاد ﴿والمسكين وابن السبيل﴾ ما يستحقانه من الصدقة والإعانة والضيافة فإن ابن السبيل هو الضيف كما في "كشف الأسرار".

جزء : 7 رقم الصفحة : 3

قال في "التأويلات النجمية" : يشير إلى أن القرابة على قسمين : قرابة النسب ، وقرابة الدين ، فقرابة الدين أمس والمراعاة أحق وهم الإخوان في الله والأولاد من صلب الولاية من أهل الإرادة الذين تمسكوا بأذيال الأكابر منقطعين إلى الله مشتغلين بطلب الله متجردين عن الدنيا غير مستفزعين

39

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٧ · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٧ · ص ٢٩