تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال شيخنا العلامة.

أبقاه الله بالسلامة عند تأويل الحديث القدسي : "سر الإنسان سري وسري سره" يعني : سره ظاهر سري ، وصورة سري ، وسري باطن سره وحقيقة سره ، ثم قال : واعلم سر الإنسان عبارة عن الحقيقة الإنسانية الظاهرة على صورة الحقيقة الإلهية كما قال عليه السلام : "خلق الله آدم على صورته" ولما نزلت تلك الحقيقة الإنسانية من مرتبة الغيب إلى منزلة الشهادة وتجلى لها الحق سبحانه بجماله وجلاله أودع في جانبها الشرقي نور جماله وجانبها الغربي ظلمة جلاله ، وأقام في الأول ملكا يهدي إلى الحق ، وفي الثاني : شيطانا يدعو إلى الباطل والملك سادن قبضة الجمال ويد اللطف والشيطان خادم قبضة الجلال ويد القهر ، وإذا أراد الحق أن يصرف تلك الحقيقة الإنسانية إلى الحق يأمر الملك أن يلهمها إياه فتراه بالنور الإلهي الجمالي الذي فاض من تجلي الجمال فتتبعه وتقبله وتكون روحا ما دام وتكون على الحق ثابتة ويصير قالبها الذي هو لوحه في إثبات الحق قلبا ترتعي في روضته ، ويتجلى لها الحق سبحانه بالتجليات الجمالية والألطاف الخالصة المورثة طمأنينتها وسكينتها وتكون على الاستسلام والطاعة والصبر والرضى وغير ذلك من الأخلاق الحميدة ، وأما إذا أراد أن يصرفها إلى الباطل فيخلى بينها وبين الشيطان فيلقنها إياه فلا تراه ولا تفهمه ، أي : لا تعلم أنه باطل يحجبها عن الحق لأن الظلمة الحاصلة من تجلي الجلال تمنعها عن ذلك فلا تجتنبه بل تأخذه وتصير نفسا مظلمة بعد

8

كونها روحا نورانيا فتجريه في قالبها الذي هو محل لذلك ويكون ذلك القالب طبيعة مظلمة بعد كونه قلبا نورانيا فيتجلى الحق تعالى بالتجليات الجلالية ، والأحوال القهرية التي تورث الاضطراب وعدم الاستسلام فتكون على المخالفة والإعراض وتتصف بالأوصاف الذميمة بعد الاتصاف بالحميدة هكذا إلى آخر الأمر إذ ذلك سنته القديمة وعادته الأزلية إلى ما شاء الله تعالى فإنه إذا أراد بعبده خيرا يفقهه في الدين ويجذبه إلى نفسه مما سواه ولا يسلط الشيطان عليه كما قال : ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ (الحجر : 42) بل للملائكة السادنة لقبضة الجمال عليهم سلطان بسلطاني عليهم وأحكام القبضتين جارية في العوالم في الأنفس والآفاق على أيدي سدنتهما إلى تمام الأمر والحكم في التقلب للغالب انتهى كلام حضرة الشيخ قدس سره ، وهو الذي ما جاء مثله بعد الصدر القنوي والله أعلم اللهم اجعلني من تابعيه حقيقة ومتبعيه شريعة وطريقة.

جزء : 3 رقم الصفحة : 2

﴿وما تأتيهم من ءاية من ءايات ربهم﴾ ما نافية ومن الأولى : مزيدة للاستغراق ، والثانية : تبعيضية واقعة بمجرورها صفة لآية والمراد بالآيات إما الآيات التنزيلية فإتيانها نزولها.

والمعنى ما ينزل إلى أهل مكة آية من الآيات القرآنية ﴿إلا كانوا عنها معرضين﴾ غير ملتفتين ، أي : على وجه التكذيب والاستهزاء وأما الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات فإتيانها ظهورها لهم.

والمعنى ما يظهر لهم آية من الآيات التكوينية الدالة على وحدانية الله تعالى إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدي إلى الإيمان بمكونها وعن متعلقة بمعرضين والجملة في محل النصب على أنها حال من مفعول تأتي ففيها دلالة على كمال مسارعتهم إلى الإعراض وإيقاعهم له في الإتيان كما يفصح عنه كلمة لما في قوله تعالى.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٧