واعلم أن الإنسان وقت كونه نطفة ينكر صيرورته بشرا سويا في الزمان الآتي وعند تصوره بصورة البشر يلزمه الحجة فإنكاره الحشر إنكار عين ما كان فيه : وفي "المثنوي" :
س مثال توو آن حلقه زنيست
كزدرونش خواجه كويدخواجه نيست
حلقه زن زين نيست دريابدكه هست
س زحلقه برندارد هي دست
س هم انكارت مبين ميكند
كز جماد اوحشر صدفن ميكند
والإشارة ﴿ثم﴾ إن الله تعالى ﴿قضى﴾ للروح من حكمته ﴿أجلا﴾ لأيام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطنه الحقيقي ﴿وأجل مسمى عنده﴾ وهو أجل الوصلة بعد الفرقة في مقام العندية كقوله
6
﴿فى مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ (القمر : 55) فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى ، وإنما قال مسمى : لأن وقت الوصلة مسمى عنده وهو حين يجذبه إليه بجذبة ارجعي إلى ربك ولأيام الوصلة ابتداء وهو حين تطلع شمس التوحيد من مشرق القلوب إلى أن تبلغ حد استواء الوحدة ، ثم تتسرمد فلا غروب لها.
﴿ثم أنتم تمترون﴾ يا أهل الوصلة كما يمتري أهل الفرقة هذا محال جدا فعلى العاقل الاجتهاد قبل حلول الأجل والتهيؤ للوصول بحسن التوجه والعمل.
قال بعض المشايخ : من ضيع حكم وقته فهو جاهل ، ومن قصر فيه فهو غافل وفي الحديث : "إنخواص يسكنهم الرفيع من الجنان ، كانوا أعقل الناس كان هممهم المسابقة إلى ربهم عز وجل والمسارعة إلى ما يرضيه زهدوا في الدنيا وفي فضولها وفي رياستها ونعيمها فهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا" روي أن السري السقطي قدس سره دخل عليه أبو القاسم الجنيد قدس سره وهو يبكي فقال له : ما يبكيك؟ قال : جاءتني البارحة الصبية ، فقالت : يا أبت هذه ليلة حارة وهذا الكوز تعلقه ههنا ، قال السري : فغلبتني عيناي فنمت فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء ، فقلت : لمن أنتت؟ قالت : لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان فتناولت الكوز وضربت به الأرض ، قال الجنيد : فرأيت الخزف المكسور ولم يرفعه حتى عفا عليه التراب يا هذا انظر إلى تركهم النعيم لم يرضوا لأنفسهم أن يشربوا ماء باردا أو يأكلوا طعاما لذيذا فحين راقبوا الأوقات عوضهم الله حالات خارجة عن حسابات الساعات فلا انتهاء لأذواقهم أصلا.
جزء : 3 رقم الصفحة : 2
﴿وهو﴾ أي : الله تعالى مبتدأ خبره قوله : ﴿الله﴾ باعتبار المعنى الوصفي أي المعبود ولذا تعلق به قوله : ﴿فى السماوات وفى الأرض﴾ والمعنى وهو المعبود والمستحق للعبادة فيهما ولا يلزم من كونه تعالى معبودا فيهما كونه متحيزا فيهما فإنه منزه عن الزمان والمكان روي أن إمام الحرمين أستاذ الإمام الغزالي نزل ببعض الأكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والأكابر فقام واحد من أهل المجلس فقال ما الدليل على تنزهه عن المكان وهو قال : ﴿الرحمان على العرش استوى﴾ (طه : 5) فقال : الدليل عليه قول يونس في بطن الحوت ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين﴾ (الأنبياء : 87) فتعجب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الإمام إن ههنا فقيرا مديونا بألف درهم أد عنه دينه حتى أبينه فقبل صاحب الضيافة دينه فقال إن رسول الله لما ذهب في المعراج إلى ما شاء الله من العلي قال هناك "لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ولما ابتلى يونس عليه السلام بالظلمات في قعر البحر ببطن الحوت قال : ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين﴾ فكل منهما خاطبه بقوله أنت وهو خطاب الحضور ولو كان هو في مكان لما صح ذلك فدل ذلك على أنه ليس في مكان ﴿يعلم سركم وجهركم﴾ خبر ثان ، أي : ما أسررتموه وما جهرتم به من الأقوال ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ أي : ما تفعلون لجلب نفع أو دفع ضر من الأعمال المكتسبة بالقلوب أو بالجوارح سرا وعلانية فيجازيكم على كل ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
وفي "التأويلات النجمية" : ﴿وهو الله فى السماوات﴾ أي : في سموات الوجود ﴿وفى الأرض﴾ أي في أرض النفوس ﴿يعلم سركم﴾ الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي ﴿وجهركم﴾ أي ما هو
7
ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأحوال النفسانية ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات من الخير والشر وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضا دون الملك والحيوان فإن الملك لا يقدر إن يكتسب من الصفات الحيوانية شيئا ولا الحيوان قادر على إن يكتسب من الصفات الملكية شيئا والإنسان متصرف في هاتين الصفتين وله اكتساب التخلق بأخلاق الله بالتقرب إلى الله بأداء ما افترض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير من خير البرية وله أيضا أن يكتسب من الشر ما يصير به شر البرية انتهى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 2