﴿يعتذرون﴾ أي يعتذر المنافقون ﴿إليكم﴾ في التخلف وكانوا بضعة وثمانين رجلا والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والآية نزلت قبل وقوع الاعتذار ، ولذا قال الكاشفي : (القاء اعتذار خواهد كرد منافقان بسوى شما) ﴿إذا رجعتم﴾ من غزوة تبوك منتهين ﴿إليهم﴾ وإنما لم يقل إلى المدينة إيذانا بأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إلى المدينة فلعل منهم من بادر بالاعتذار قبل الرجوع إليها.
﴿قل﴾ يا محمد والتخصيص لما أن الجواب من وظيفته عليه السلام ﴿لا تعتذروا﴾ أي لا تفعلوا الاعتذار ، لأنه ﴿لن نؤمن لكم﴾ لن نصدقكم في اعتذاركم ، لأنه ﴿قد نبأنا الله من أخباركم﴾ أي : أعلمنا بالوحي بعض أخباركم المنافية للتصديق وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد.
وفي "المثنوي" :
از منافق عذررد آمد نه خوب
زانكه در لب بود آن نى در قلوب
كذب ون خس باشد ودل ودهان
خس نكردد دردهان هركزنهان
﴿وسيرى الله عملكم﴾ فيما سيأتي ﴿ورسوله﴾ أتتوبون عن الكفر والنفاق أم تثبتون عليه وكأنه استتابة وإمهال للتوبة.
﴿ثم تردون﴾ يوم القيامة ﴿إلى عالم الغيب﴾ وهو ما غاب عن العباد.
﴿والشهادة﴾ وهو ما علمه العباد.
﴿فينبئكم﴾ عند ردكم إليه ووقوفكم بين يديه.
﴿بما كنتم تعملون﴾ أي بما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من الأعمال السيئة السابقة واللاحقة والمراد بالتنبئة بذلك المجازاة به وإيثارها عليها للإيذان بأنهم ما كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة أعمالهم ، وإنما يعلمونها يومئذ حين يرونها على صورها الحقيقة.
﴿سيحلفون بالله لكم﴾ تأكيدا لمعاذيرهم الكاذبة القائلين والله ما قدرنا على الخروج ولو قدرنا عليه لما تخلفنا.
﴿إذا انقلبتم﴾ أي انصرفتم من الغزو.
﴿إليهم﴾ وهم جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما.
﴿لتعرضوا عنهم﴾ إعراض صفح وهو الإعراض عن الذنب وتتركوا لومهم وتعنيفهم.
﴿فأعرضوا عنهم﴾ لكن لا إعراض رضى كما هو طلبتهم ، بل إعراض اجتناب ومقت وتحقير.
﴿إنهم رجس﴾ أي : كالنتن الذي يجب الاجتناب عنه وفيهم رجس روحاني.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
وقال في "التبيان" أي نجس ، وعملهم
487
قبيح لا يتطهرون بالتقريع أي ، مصيرهم ﴿جهنم﴾ من تمام التعليل فإن كونهم من أهل النار من دواعي الاجتناب وموجبات ترك استصلاحهم باللوم والعتاب.
﴿جزآء﴾ أي : يجزون جزاء ﴿بما كانوا يكسبون﴾ في الدنيا من فنون السيئات.
﴿يحلفون﴾ به تعالى ﴿لكم﴾ (براى شما) ﴿لترضوا عنهم﴾ بحلفتهم الكاذبة ولتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم.
﴿فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ المتمردين في الكفر فإن رضاكم لا يستلزم رضي الله ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه.
والمقصود من الآية نهي المخاطبين عن الرضى عنهم والاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه وآكده فإن الرضى عمن لا يرضى عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدر عن المؤمن كما في "الإرشاد" روي أن النبي عليه السلام حين قدم المدينة قال : "لا تجالسوهم ولا تكلموهم" وفيه إشارة إلى هجر المنافق والمصر على ذنبه إلى أن يتوب.
قال محمد الباقر رضي الله عنه : أوصاني أبي زين العابدين رضي الله عنه ، فقال : لا تصحبن خمسة ، ولاتحاد بهم ، ولا ترافقهم في الطريق : لا تصحبن فاسقا فإنه يبيعك بأكلة فما دونها ، قلت : يا أبت وما دونها قال يطمع فيها ثم لا ينالها ، ولا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه ، ولا تصحبن كذابا فإنه بمنزلة السراب يبعد عنك القريب ويقرب منك البعيد ، ولا تصحبن أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ، وقد قيل عدو عاقل خير من صديق أحمق ، ولا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعونا في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع.
ثم في الآيات بيان أن الاعتذار الباطل مردود على صاحبه وإن كان قبول العذر من أخلاق الكرام في نفس الأمر.
وفي "المثنوي" :
عذر أحمق بدترا از جرمش بود
عذر نادان زهر هردانش بود
وبيان أن اليمين الكاذبة لترويج عذره وغرضه باطلة ومذمومة بل رب يمين صادقة لا يتجاسر عليها من هو بصدد التقوى حذرا من ابتذال اسم الله تعالى فلا بد من ضبط اللسان وفي الحديث : "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس".
جزء : 3 رقم الصفحة : 485