إذ أقبلت هوادج هارون فكف صبيان عن الولوع به ، فلما جاء هارون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ، فكشف هارون السجاف بيده وقال لبيك يا بهلول فقال : يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد الله العامري قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمضي على جمل وتحته رحل رث فلم يكن ضرب ولا طرد ولا إليك إليك وتواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك ، فبكى هارون حتى سقطت الدموع على الأرض وقال يا بهلول زدنا يرحمك الله فقال :
هب أنك قد ملكت الأرض طرا
وأن لك العباد فكان ما ذا
أليس غدا مصيرك جوف قبر
ويحثو الترب هذا ثم هذا فبكى هارون ثم قال : أحسنت يا بهلول هل غيره قال نعم يا أمير المؤمنين رجل آتاه الله مالا وجمالا فأنفق في ماله وعف في جماله كتب في خالص ديوان الله من الأبرار ، فقال : أحسنت يا بهلول ثم أمر له بجائزة فقال : اردد الجائزة إلى من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها ، قال : يا بهلول إن يكن عليك دين قضيناه قال : يا أمير المؤمنين لا يقضى دين بدين.
رد الحق إلى أهله واقض دين نفسك يا أمير المؤمنين من نفسك قال : يا بهلول فنجري عليك ما يكفيك فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال : يا أمير المؤمنين أنا وأنت من عيال الله تعالى فمحال أن يذكرك وينساني فأسبل هارن السجاف ومضى.
والمقصود من هذه الحكاية بيان استماع هارون الحق وقبوله وذلك لأنه كان كالمكان الزاكي وقلبه حيا بالحياة الطيبة ، فلذا لم يخرج منه إلا الأخلاق الحميدة ، وأما أرض النفس الأمارة التي هي البلد الخبيث فلا يخرج منها إلا الأخلاق الذميمة والأفعال الرديئة فمن كان قلبه حيا بنور الله انعكس نور قلبه على نفسه فتنورت النفس فتبدلت أوصافها بأوصاف القلب وتلاشت ظلمتها بنور القلب فيطمئن إلى ذكر الله وطاعته ، كما هو من أوصاف القلوب وإن كان القلب ميتا والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على القلب وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فيحصل اطمئنانه بالدنيا ، وما فيها نسأل الله تعالى أن يجعل اطمئناننا إلى ذكره وفكره وشكره ويجعلنا من الذين يعرفون قدر نعمة الله وحق المنعم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 179
﴿لقد أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ جواب قسم محذوف تقديره : والله لقد أرسلنا نوحا وهو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي بن يرد بن مهلا بيل بن قينان بن أنوش بن آدم عليهم السلام ، ونوح أول نبي بعد إدريس بعد شيث ، وكان نوح نجارا بعثه الله إلى قومه على رأس أربعين سنة وكان عمره ألفا ومائتين وأربعين سنة.
وفي "التفسير الفارسي" : ﴿إلى قومه﴾ (بسوى قوم او كه ثر أولاد قابيل بودند وبت مى رستيدند) وذلك أن قابيل لما قتل أخاه هابيل طرده آدم فسكن مع أولاده وأتباعه في اليمن وهو أول من عبد الصنم.
﴿فقال﴾ أي : نوح يا قوم اعبدوا الله} وحده فإن العبادة بالإشراك ليس من العبادة في شيء.
﴿ما لكم من إلاه غيره﴾ أي : من مستحق للعبادة وغيره بالرفع صفة لإله باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء ، ومن زائدة في المبتدأ والخبر لكم.
﴿إنى أخاف عليكم﴾ أي : إن لم تعبدوه حسبما أمرت به وهو بيان للداعي إلى عبادته.
﴿عذاب يوم عظيم﴾ أي : عذاب يوم القيامة أو يوم الطوفان.
﴿قال الملا من قومه﴾
182
استئناف ، أي الرؤساء من قومه والأشراف الذين يملؤون صدور المحافل بأجرامهم والقلوب بجلالهم وهيبتهم والأبصار بجمالهم وبهجتهم.
﴿إنا لنرااك﴾ يا نوح ﴿فى ضلال﴾ ذهاب عن طريق الحق والصواب لمخالفتك لنا والرؤية قلبية ﴿مبين﴾ بين كونه ضلالا.
جزء : 3 رقم الصفحة : 182
﴿قال﴾ استئناف أيضا يا قوم} ناداهم بإضافتهم إليه استمالة لقلوبهم نحو الحق.
﴿ليس بى﴾ الباء للملابسة أو للظرفية ﴿ضلالة﴾ بالغ في النفي حيث نفى عن نفسه ملابسة ضلالة واحدة ، أي ليس بي شيء من أفراد الضلال وجزئياته فضلا عن أن يكون بي ضلال عظيم بين كما بالغوا في الإثبات حيث جعلوه مستقرا في الضلال الواضح كونه ضلالا.
﴿ولاكني رسول﴾ أي : رسول كائن ﴿من رب العالمين﴾ فمن لابتداء الغاية مجازا والرسالة يلزمها الهدى التام الغير القابل للضلال فاستدرك الملزوم ليكون كالبرهان على استدارك اللازم كأنه قال : ولكني على هدى كامل في الغاية ؛ لأني رسول من رب العالمين.