تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإشارة في الآية أن الله تعالى أعطى لكل نبي آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الأمة وجعل نفس النبي عليه السلام برهانا منه وذلك لأن برهان الأنبياء كان في الأشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه وفي الحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا وكان نفس النبي عليه السلام برهانا بالكلية فكان برهان عينيه ما قال عليه السلام : "لا تستبقوني بالركوع والسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي".

وبرهان بصره ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ (النجم : 17).

وبرهان أنفه قال : "إني لأجد نفس الرحمان من قبل اليمن".

وبرهان لسانه ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى﴾ (النجم : 3 4) وبرهان بصاقه ما قال جابر رضي الله عنه أنه أمر يوم الخندق لا تخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى أجيىء فجاء فبصق في العجين وبارك ثم بصق في البرمة وبارك فأقسم بالله أنهم لأكلوا وهم ألف حتى تركوه وانصرفوا وأن برمتنا لتغط أي : تغلى وأن عجيننا ليخبز كما هو.

وبرهان تفله أنه تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرىء بإذن الله يوم خيبر.

وبرهان يده ما قال تعالى : ﴿وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى﴾ (الأنفال : 17) وأنه سبح الحصى في يده ، قال العطاري :

333

داعي ذرات بود آن اك ذات

در كفش تسبيح ازان كفتى حصاد

وبرهان أصبعه أنه أشار بأصبعه إلى القمر فانشق فلقتين حتى رؤي حراء بينهما :

ماه را انكشت او بشكافته

مهر از فرمانش ازس تافته

جزء : 2 رقم الصفحة : 333

وبرهان ما بين أصابعه أنه كان الماء ينبع من بين أصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم وبرهان صدره أنه كان يصلي ولصدره أزيز كازيز المرجل من البكاء.

وبرهان قلبه أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه وقال تعالى : ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ وقال : ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (الشرح : 1) وقال : ﴿نزل به الروح الامين * على قلبك﴾ (الشعراء : 193 194) وأمثال هذه البراهين كثيرة فمن أعظمها أنه عرج به إلى السماء حتى جاوز قاب قوسين وبلغ أو أدنى وذلك برهان لنفسه بالكلية وما أعطى نبي قبله مثله قط وكان بعد أن أوحي إليه أفصح العرب والعجم وكان من قبل أميا لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان وأي برهان أقوى وأظهر وأوصح من هذا؟ والله أكرم هذه الأمة به ومن عليهم فمن آمن به إيمانا حقيقيا بنور الله لا بالتقليد فتجذبه العناية وتدخله في عالم الصفات فإن رحمته وفضله صفته ويهديه بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه إلى جنابه تعالى فبالاعتصام يصعد السالك من الصراط المستقيم إلى حضرة الله الكريم ولا بد للعبد من الاعمال والاكتساب في البداية اتباعا للأوامر الواردة في الكتب الإلهية والسنن النبوية حتى ينتهي إلى محض فضل الله تعالى فيكون هو المتصرف في أموره ولذلك كان النبي عليه السلام يقول : "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك" وقد قال بعض الكبار المريد من لا مذهب له يعني يتمسك بأشق الأقوال والمذاهب من جميع المذاهب فيتوضأ من الرعاف والفصد مثلا وإن كان شافعيا ومن المس وإن كان حنفيا وتنوير الباطن لا يحصل إلا بأنوار الذكر والعبادة والمعرفة وتعين على ذلك العبادة الخالصة إذا أديت على وجه الكمال والخدمة بمقتضى السنة تصقله بإزالة خبث الشهوات والأخلاق المذمومات والتوحيد أفضل الأعمال الموصلة إلى السعادة وفي الحديث "إن الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخلون الجنة وهم يضحكون" وفي الحديث "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم كأني انظر اليهم عند الصيحة ينفضون التراب عنهم ويقولون الحمدالذي أذهب عنا الحزن" إن ربنا لغفور شكور وعلى هذا الحديث أول المشايخ هذه الآية الكريمة ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين ولا تجعلنا من الغافلين آمين ﴿يستفتونك﴾ أي : يطلبون منك الفتوى في حق الكلالة ﴿قل الله يفتيكم فى الكلالة﴾ الإفتاء تبيين المبهم وتوضيح المشكل.

جزء : 2 رقم الصفحة : 333

والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء استعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لضعفها في الإضافة إلى قرابتها وتطلق على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين والمراد هنا الثاني أي الذي مات ولم يرثه أحد من الوالدين ولا أحد من الأولاد لما روى أن جابر بن عبد الله كان مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني كلالة أي لا يخلفني ولد ولا والد فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت ﴿إن امرؤا هلك﴾ استئناف مبين

334

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٢٦٥