يا اأيها الناس} خطاب لعامة الخلق ﴿قد جآءكم الرسول﴾ يعني محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ملتبسا ﴿بالحق﴾ وهو القرآن المعجز الذي شهد إعجازه على حقيته أو بالدعوة إلى عبادة الله وحده والإعراض عما سواه فإن العقل السليم يشهد على أنه الحق ﴿من﴾ عند ﴿ربكم﴾ متعلق بجاء أي جاء من عند الله وأنه مبعوث مرسل غير متقول له ﴿فاامنوا﴾ بالرسول وبما جاءكم به من الحق والفاء للدلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها ﴿خيرا لكم﴾ منصوب على أنه مفعول لفعل واجب الإضمار أي اقصدوا أو ائتوا أمرا خيرا لكم مما أنتم فيه من الكفر أو على أنه نعت لمصدر محذوف أي آمنوا إيمانا خيرا لكم وهو الإيمان باللسان والجنان ﴿وإن تكفروا﴾ أي إن تصروا وتستمروا على الكفر ﴿فإن لله ما فى السماوات والارض﴾ من الموجودات سواء كانت داخلة في حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما على أبلغ وجه وآكده أو خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم فيدخل في جملتهم المخاطبون دخولا أوليا أي كلها له عز وجل خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج من ملكوته وقهره شيء منها فمن هذا شأنه فهو قادر على تعذيبكم بكفركم لا محالة أو فمن كان كذلك فهو غني عنكم وعن غيركم لا يتضرر بكفركم ولا ينتفع بإيمانكم أو فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لأمره ﴿وكان الله عليما﴾ مبالغا في العلم فهو عالم بأحوال الكل فيدخل في ذلك علمه تعالى بكفرهم دخولا أوليا ﴿حكيما﴾ مراعيا للحكمة في جميع أفعاله التي من جملتها تعذيبه تعالى إياهم بكفرهم.
جزء : 2 رقم الصفحة : 325
واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صورة النور الغيبي المرسل إلى الأجساد فمن كان قابلا لإفاضة نور دعوته فقد اهتدى ومن أخطأ فقد ضل.
واتفق المشايخ على أن من ألقى زمامه في يد كلب مثلا حتى لا يكون تردده بحكم طبعه فنفسه أقوم لقبول الرياضة ممن جعل زمامه في حكم نفسه يسترسل بها حيث شاء كالبهائم فلما تيقنت أن الواجب عليك أن تكون تابعا لا مسترسلا فلان تتبع سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم الذي آدم ومن دونه من الأولياء والأنبياء تحت
326
لوائه خير لك بل واجب عليك وما أعظم حماقة من يحتاط بقول المنجم في الاختلاج والفال وينقاد إلى الاحتمالات البعيدة ثم إذا آل الأمر إلى خبر النبوة عن الغيب انكر فلا تعرض لنفسك أن تصدق ابن البيطار فيما ذكره في العقاقير والأحجار فتبادر إلى امتثال ما أمرك به ولا تصدق سيد البشر صلى الله عليه وسلم فيما يخبر عنه وتتوانى بحكم الكسل عن الإتيان بما أمر به أو فعل.
واعلم أنك لما أخرجك الله من صلب آدم في مقام ألست رددت إلى أسفل السافلين ثم منه دعيت لترتفع بسعيك وكسبك إلى أعلى عليين حيث ما قدر لك على حسب قابليتك ولا يمكنك ذلك إلا بأمرين : أحدهما بمحبته صلى الله عليه وسلم بأن تؤثر حبه على نفسك وأهلك ومالك ، والثاني بمتابعته صلى الله عليه وسلم في جميع ما أمر به ونهى عنه وبذلك تستحكم مناسبتك به وبكمال متابعتك يحصل لك الارتفاع إلى أوج الكمال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال : يا قوم إني رأيت الجيش بعيني" فيه إشارة إلى أن هذا المثل مختص بالنبي عليه السلام لأن ما أنذر به من الأهوال هي التي رآها بعينيه وأما سائر الأنبياء عليهم السلام فلم يكن لهم معراج ظاهر حتى يعاينوا تلك الأهوال "وإني أنا النذير" وهو الذي يخوف غيره بالإعلام "العريان" وهو الذي لقي العدو فسلبوا ما عليه من الثياب فأتى قومه يخبرهم فصدق بعضهم لما عليه من آثار الصدق فنجوا وهذا القول مثل يضرب لشدة الأمر وقرب المحذور وبراءة المخبر من التهمة والكل موجود في النبي عليه السلام : "فالنجاء" بالمد نصب على الإغراء أي اطلبوا النجاء وهو الإسراع "فأطاعه طائفة من قومه فادلجوا" أي ساروا من أول الليل "فانطلقوا على مهلهم" وهو بفتح الميم والهاء ضد العجلة "وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش" أي أتاهم صباحا ليغير عليهم "فأهلكم واجتاحهم" أي أهلكم بالكلية "فذلك" أي المثل المذكور وهذا بيان لوجه المشابهة "مثل من أطاعني واتبع ما جئت به من الحق" وفيه إشارة إلى أن مطلق العصيان غير مستأصل بل العصيان مع التكذيب بالحق كذا في "شرح المشارق" لابن الملك رحمه الله تعالى ، قال السعدي قدس سره :
جزء : 2 رقم الصفحة : 325
خلاف يمبر كسى ره كزيد
كه هركز بمنزل نخواهد رسيد
مجالست سعدى كه راه صفا
توان رفعت جز دري مصطفا
جزء : 2 رقم الصفحة : 325
يا اأهل الكتاب} الخطاب للنصارى خاصة ﴿لا تغلوا فى دينكم﴾ أي لا تتجاوزوا الحد في دينكم بالإفراط في رفع شأن عيسى وادعاء ألوهيته والغلو مجاوزة الحد.