النبي عليه السلام ولا المعجزة وقد آمن به ﴿ثم اتخذوا العجل﴾ أي : عبدوه واتخذوه إلها ﴿منا بعد ما جآءتهم البينات﴾ أي : المعجزات التي أظهرت لفرعون من العصا واليد البيضاء وفلق البحر ونحوها لا التوراة لأنها لم تنزل عليهم بعد وهذه هي الجناية الثانية التي اقترفها أيضا أوائلهم ﴿فعفونا عن ذالك﴾ أي تجاوزنا عنهم بعد توبتهم مع عظم جنايتهم وجريمتهم ولم نستأصلهم وكانوا أحقاء به.
قيل : هذا استدعاء لهم إلى التوبة كأنه قيل : إن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضا حتى نعفو عنكم.
ودلت الآية على سعة رحمة الله ومغفرته وتمام نعمته ومنته وأنه لا جريمة تضيق عنها مغفرة الله وفي هذا منع من القنوط ﴿يسالك أهل الكتاب أن﴾ أي : تسلطا واستيلاء ظاهرا عليهم حيث أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم توبة عن معصيتهم فاختبأوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيا له من سلطان مبين ﴿ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم﴾ الباء سببية متعلقة بالرفع.
والمعنى لأجل أن يعطوا الميثاق لقبول الدين.
جزء : 2 رقم الصفحة : 315
روي أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم فأبوا قبولها فأمر جبرائيل عليه السلام بقلع الطور فظلله عليهم حتى قبلوا فرفع عنهم ﴿وقلنا لهم﴾ على لسان موسى والطور مشرف عليهم ﴿ادخلوا الباب﴾ أي : باب القرية وهي أريحا على ما روي من أنهم دخلوا أريحا في زمن موسى عليه السلام أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ﴿سجدا﴾ أي : متطامنين منحنين شكرا على إخراجهم من التيه فدخلوها زحفا وبدلوا ما قيل لهم ﴿وقلنا لهم﴾ على لسان داود ﴿لا تعدوا﴾ أي لا تظلموا باصطياد الحيتان يقال عدا يعدو عدوا وأعداء وعدوانا أي ظلم وجاوز الحد والأصل لا تعدووا بواوين : الأولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعل صار بالاعلال على وزن لا تفعوا ﴿فى﴾ يوم ﴿السبت﴾ وكان يوم السبت يوم عبادتهم فاعتدى فيه إناس منهم فاشتغلوا بالصيد ﴿وأخذنا منهم﴾ على الامتثال بما كلفوه ﴿ميثاقا غليظا﴾ أي : عهدا مؤكدا غاية التأكيد وهو قولهم : سمعنا وأطعنا قيل : إنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد ﴿فبما﴾ ما مزيدة للتأكيد ﴿نقضهم ميثاقهم﴾ أي فسبب نقضهم ميثاقهم ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة عليهم أو على أعقابهم فالباء متعلقة بفعل محذوف ﴿وكفرهم بآيات الله﴾ أي بالقرآن أو بما في كتابهم عندهم.
﴿وقتلهم الانابيآء بغير حق﴾ كزكريا ويحيى عليهما السلام ﴿وقولهم قلوبنا غلف﴾ جمع أغلف أي هي مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ولا تفقه ما يقوله أو هو تخفيف غلف بضم الغين واللام جمع غلاف أي هي أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾ كلام معترض بين المعطوفين جيىء به على وجه الاستطراد مسارعة على زعمهم الفاسد أي ليس كفرهم وعدم وصول الحق إلى قلوبهم لكونها غلفا بحسب الجبلة بل الأمر بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم وليست قلوبهم كما زعموا بل هي مطبوع عليها بسبب كفرهم ﴿فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه
316
أو إيمانا قليلا لا يعبأ به لنقصانه وهو إيمانهم ببعض الرسل والكتب دون بعض أو بالإيمان الغير المعتبر لا يجب أين يسموا مؤمنين فهم كافرون حقا.
جزء : 2 رقم الصفحة : 315
واعلم أن نقض الميثاق صار سببا لغضب الخلاق فعلى المؤمن أن يراعي أحكام عهده وميثاقه ليسلم من البلاء وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أقبل علينا رسول الله فقال : "يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا الكيل والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" ، قال في "المثنوي" :
سوى لطف بي وفايان هين مرو
كان ل ويران بودنيكو شنونقض ميثاق وعهود ازبند كبست
حفظ إيمان ووفا كار تقيستجرعه برخاك وفا آنكس كه ريخت
كي تواند صيد دولت زوكريخت
جزء : 2 رقم الصفحة : 315