إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات سواء ولما كان محصل كلامهم الباطل أن عدم إيمانهم برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعدم إتيانه بما قالوا ولو تحقق الإتيان به لتحقق الإيمان رد عليهم بقوله تعالى : ﴿قل﴾ أي : تبكيتا لهم وإظهارا لكذبهم.
﴿قد جآءكم﴾ أي : جاء أسلافكم وآباءكم ﴿رسل﴾ كثيرة العدد كبيرة المقدار ﴿من قبلى بالبينات﴾ أي المعجزات الواضحة ﴿وبالذى قلتم﴾ بعينه من القربان الذي تأكله النار فقتلتموهم ﴿فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾ أي فيما يدل عليه كلامكم من أنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه فإن زكريا ويحيى وغيرها من الأنبياء عليهم السلام قد جاءوكم بما قلتم في معجزات أخر فما لكم لم تؤمنوا حتى اجترأتم على قتلهم.
﴿فإن كذبوك﴾ شروع في تسلية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
﴿فقد كذب رسل من قبلك﴾ تعليل لجواب الشرط أي فتسل واصبر فقد كذب الخ ﴿جآءو بالبينات﴾ المعجزات الواضحات صفة لرسل ﴿والزبر﴾ جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته إذا حسنته أو الزبر المواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته ﴿والكتاب المنير﴾ أي التوراة والإنجيل والزبور.
والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة المواقع.
والمنير أي المضيء البين بالأمر والنهي.
جزء : 2 رقم الصفحة : 134
والإشارة أن الله تعالى كما قدر أن بعض الأمم يغلبون بعض أنبيائهم ويقتلونهم قبل الإيمان أو بعد الإيمان بهم كذلك قدر أن بعض الصفات النفسانية يغلب على بعض الإلهامات الربانية والواردات الرحمانية فيمحوها كما قال تعالى : ﴿يمحوا الله ما يشآء ويثبت﴾ (الرعد : 39) قبل انقيادها لها أو بعدما انقادت لها ليقضي الله أمرا كان مفعولا وبالجملة أن الروح يصير بمجاورة الصفات النفسانية كالنفس في الدناءة فتصير الصفات الذميمة غالبة عليه كما تغلب على الإلهامات فعلى السالك أن يتجنب عن مصاحبة المفسدين ومجاورة صفات النفس.
نفس ازهم نفس بكيرد خوى
بر حذر باش ازلقاي خبيث
باد ون بر فضاي بد كذرد
بوي بدكيرد ازهواي خبيث
فطوبى لعبد طهر نفسه من الصفات الرذيلة والعناد والإصرار ورأى الحق حقا والباطل باطلا وانقطع عن ميل الدنيا واتباع الهوى وموافقة غير الله.
روي أن عيسى عليه السلام مر بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق فقال : يا معشر الحواريين إن هؤلاء ماتوا على سخط ولو ماتوا على غير ذلك لتدافنوا فقالوا : يا روح الله وددنا أنا علمنا خبرهم فسأل ربه فأوحى الله إليه إذا كان الليل فنادهم يجيبوك فلما كان الليل أشرف على الموتى ثم نادى يا أهل القرية فأجابه مجيب لبيك يا روح الله فقال : ما حالكم وما قصتكم؟ قال : بتنا في عافية وأصبحنا في هاوية قال : وكيف ذلك؟ قال : لحبنا الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي قال : وكيف كان حبكم الدنيا؟ قال : كحال الصبي لأمه إذا أقبلت فرحنا وإذا أدبرت حزنا قال : فما بال أصحابك لم يجيبوني؟ قال : لأنهم ملجمون بلجام من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد قال : كيف أجبتني من بينهم؟ قال : لأني كنت فيهم ولم أكن منهم فلما نزل بهم العذاب أصابني فأنا معلق على شفير جهنم لا أدري أأنجو منها أم أكبكب فيها؟.
واعلم أن الإنكار والتكذيب من حب الدنيا والميل إليها لأن الأنبياء والأولياء يدعون إلى الجنة والمولى
137
وحفت الجنة بالمكاره والإنسان إذا رأى ما يكرهه يتنفر عنه ثم إذا أقدم على الإتيان به وأكره يأخذ بالإنكار قال الله تعالى : ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ (البقرة : 216) وقد وصى الحكماء الإلهية أن لا يجالس المريد أهل الإنكار بل لا يلتفت إليهم أصلا إذ للمجاورة تأثير عظيم كما قيل :
جزء : 2 رقم الصفحة : 134
عدوي البليد إلى الجليد سريعة
والجمر يوضع في الرماد فيخمد
بابدان يار كشت همسر لوط
خاندان نبوتش كم شد
سك أصحاب كهف روزي ند
ي مردم كرفت ومردم شد
قال مولانا جلال الدين قدس سره في هذا المعنى :
كرتوسنك وصخره ومرمر شوى
ون بصاحب دذل رسى كوهر شوي
ساقنا الله وإياكم إلى طريقة أوليائه ومجالسة أحبائه آمين
جزء : 2 رقم الصفحة : 134