﴿ما كان الله﴾ مريدا ﴿ليذر﴾ لأن يترك ﴿المؤمنين﴾ المخلصين ﴿على مآ أنتم عليه﴾ الخطاب لعامة المخلصين والمنافقين في عصره ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ ماز الشيء يميزه ميزا عزله وافرزه والمعنى ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعا حتى يميز المنافق من المخلص بالوحي إلى نبيه بأحوالكم أو بالجهاد أو بالهجرة ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾ أي وما كان الله ليؤتى أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب من كفر وإيمان ﴿ولاكن الله يجتبى﴾ يصطفي ﴿من رسله من يشآء﴾ فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات أو ينصب له ما يدل عليها ﴿ما كان الله﴾ بصفة الإخلاص أو بأن تعلموه وحده مطلعا على الغيب وتعلموهم عبادا مجتبين لا يعلمون إلا ما علمهم الله ولا يعلمون إلا ما أوحى إليهم ﴿وإن تؤمنوا﴾ حق الإيمان ﴿وتتقوا﴾ النفاق ﴿فلكم﴾ بمقابلة ذلك الإيمان والتقوى ﴿أجر عظيم﴾ لا يبلغ كنهه وهذا الأجر على قدر عظم التقوى فإن السير إلى المقصد الأعلى والوصول إلى منازل الاجتباء لا يتهيأ إلا بقدمي التقى :
جزء : 2 رقم الصفحة : 129
قدم بايد اندر طريقت نه دم
كه أصلي ندارد دم بي قدم
قال إبراهيم بن أدهم : بت ليلة تحت صخرة بيت المقدس فلما كان بعض الليل نزل ملكان فقال أحدهما لصاحبه : من ههنا؟ فقال الآخر : إبراهيم بن أدهم فقال ذلك الذي حط الله درجة من درجاته فقال : لم؟ قال : لأنه اشترى بالبصرة التمر فوقعت تمرة على تمره من تمر البقال قال إبراهيم : فمضيت إلى البصرة واشتريت التمر من ذلك الرجل وأوقعت تمرة على تمره ورجعت إلى بيت المقدس وبت في الصخرة فلما كان بعض الليل إذا أنا بملكين قد نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه : من ههنا؟ فقال أحدهما : ذلك الذي رد التمرة إلى مكانه فرفعت درجته فهذا هو التقوى على
131
الحقيقة ومراعاة الحقوق على الوجه اللائق ولا يتيسر ذلك إلا بالتوسل إلى جناب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإن غيب الحقائق والأحوال لا ينكشف بلا واسطة الرسول وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولاكن﴾ الخ وكيف يترقى إلى حقيقة التقوى وعالم الاطلاق من تقيد برأيه واختياره قال الله تعالى : ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ (المائدة : 35) فلا بد من متابعة النبي عليه السلام.
حقا كه بي متابعت سيد رسل
هر كز كسى بمنزل مقصود ره نيافت
ازهي أو بهي درى ره نمى دهند
انرا كه زآستانه او روى دل بتافت
فالإيمان بالله وبرسوله هو التصديق القلبي والإرادة والتمسك بالشريعة والنجاة فيه لا في غيره
روي أن المؤمن إذا ورد النار بمقتضى قوله تعالى : ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ (مريم : 71) يصير الله ثواب التوحيد سفينة والقرآن حبلها والصلاة شراعها ويكون المصطفى عليه السلام ملاحها والمؤمنون يجلسون عليها ويكبرون الله وتجري السفينة على بحر نار جهنم بريح طيبة فيعبرون عنها سالمين.
فيا أخي لا تضيع أيامك فإن أيامك رأس مالك وإنك ما دمت قابضا على رأس مالك فإنك قادر على طلب الربح فاجتهد في تحصيله بالتوغل في الطاعات والعبادات وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه قبل الموت والفوت فإن الموتى يتمنون أن يؤذن لهم بأن يصلوا ركعتين أو يقولوا مرة لا إله إلا الله أو يسبحوا مرة فلا يؤذن لهم ويتعجبون من الأحياء كيف يضيعون أيامهم في الغفلة.
جزء : 2 رقم الصفحة : 129
اكر مرده مسكين زبان داشتى
بفرياد وزارى فغان داشتى
كه أي زنده هست إمكان كفت
لب ازذ كرون مرده برهم مخفت
ومارا بغفلت بشد روز كار
توباري دمي ند فرصت شمار
قال عليه السلام : "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" فتميز المنافق من المخلص كما يكون في الدنيا بالأقوال والأفعال وغيرهما كذلك يكون في الآخرة ببياض وجه هذا وسواد وجه ذلك كما قال تعالى : ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ (آل عمران : 106) فعلى العاقل أن يتحمل مشاق الطاعات والتكاليف والامتحانات الإلهية لعله يفوز بالمرام ويظفر بالبغية يوم يخيب المعرضون والمنافقون ويخسرون.
خوش بود كر محك تجربه آيدبميان
باسيه روى شود هر كه دروغش باشد
قال بعض الكبار : وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان عصمنا الله وإياكم من المخالفة.