طغيانه استغناؤه قال تعالى : ﴿إن الانسان ليطغى * أن رءاه استغنى﴾ (العلق : 6 7) فإذا كمل استغناؤه كمل طغيانه حتى يكفر بالنعمة فهذا كله عند فساد جوهره لما وكل إلى نفسه وإذا أصلح جوهره بالتربية ولم يكله إلى نفسه هدي إلى جهة الكمال المستعد له كقوله : ﴿أهدكم سبيل الرشاد﴾ (غافر : 38) فصاحب التربية وهو النبي أو خليفته وهو الشيخ المرشد يربيه وتربيته في تبرئته مما سوى الله إلى أن بلغ حد كماله في طلب الكمال وهو إفناء الوجود في وجود الموجود ليكون مفقودا عن وجوده موجودا بموجده فلما كان يقول عند فساد الجوهر وإبطال حسن الاستعداد بالكمال أنا أحيي وأميت فيقول عند صلاح الجوهر وصرف حسن الاستعداد في طلب الكمال ما في الوجود سوى الله فالمجد يدق بمطرقة لا إله إلا الله دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجوده ووجود كل موجود سوى الله والله لا يهدي القوم المشركين إلى عالم التوحيد والشرك ظلم عظيم فبالشرك ضل من ضل فزل عن الصراط المستقيم كذا في "التأويلات النجمية" فعلى العاقل أن يتخلص من الشرك الخفي ويزكي نفسه عن سفساف الأخلاق ولا يغتر بالمال والمنال بل يرجع إلى الله الملك المتعال.
وقد وجدت صخرة عظيمة وعليها أسطر قديمة.
فرحك بشيء من الدنيا دليل على بعدك من الله.
وسكونك إلى ما في يدك دليل على قلة ثقتك بالله.
ورجوعك إلى الناس في حال الشدة دليل على أنك لم تعرف الله انتهى ، قال السعدي قدس سره :
جزء : 1 رقم الصفحة : 410
شنيدم كه جمشيد فرخ سرشت
بسر جشمة بر بسنكي نوشت
برين شمه ون ما بسى دم زدند
برفتند ون شم برهم زدند
كرفتيم عالم بمردى وزور
وليكن نيرديم باخود بكور
برفتند وهركس درود آنه كشت
نماند يجز نام نيكو وزشت
اللهم اجعلنا من الذين طال عمرهم وحسن عملهم وقصر أملهم وكمل عقلهم.
جزء : 1 رقم الصفحة : 410
﴿أو كالذى مر على قرية﴾ عطف على قوله ألم تر وتقديره أو رأيت مثل الذي فعل كذا أي ما رأيت مثله فتعجب منه وتخصيصه بحرف التشبيه لأن المنكر للإحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يخصى بخلاف مدعي الربوبية.
والمار هو عزير بن شرخيا والقرية بيت المقدس على الأشهر الأظهر واشتقاقها من القرى وهو الجمع.
روي أن بني إسرائيل لما بالغوا في تعاطي الشر والفساد سلط الله عليهم بخت نصر البابلي فسار إليهم في ستمائة ألف راية حتى وطىء الشام وخرب بيت المقدس وجعل بني إسرائيل أثلاثا ثلثا منهم قتلهم وثلثا منهم أقرهم بالشام وثلثا منهم سباهم وكانوا مائة ألف غلام يافع وغير يافع فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل ملك منهم أربعة غلمة وكان عزير من جملتهم فلما نجاه الله منهم بعد حين مر بحماره على بيت المقدس فرآه على أفظع مرأى وأوحش منظر وذلك قوله تعالى ﴿وهى خاوية على عروشها﴾ أي : خالية عن أهلها وساقطة على سقوفها بأن سقطت العروش ثم الحيطان سقطت عليها من خوت المرأة وخويت خوي أي : خلا جوفها عند الولادة وخوت الدار خواء بالمد وخوي البيت خوي بالقصر أي : سقط والعرش سقف البيت ويستعمل في كل ما هيىء ليستظل به ﴿قال أنى يحى هاذه الله بعد موتها﴾ أي : يعمر الله تعالى هذه القرية بعد خرابها على هذا
412
الوجه إذ ليس المراد بالقرية أهلها بل نفسها بدليل قوله : ﴿وهى خاوية على عروشها﴾ لم يقله على سبيل الشك في القدرة بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة ﴿فأماته الله﴾ أي : جعله ميتا ﴿ما ئة عام﴾ .
جزء : 1 رقم الصفحة : 412