وفي "التأويلات النجمة" : إن ﴿مثل الذين كفروا﴾ كان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله : ألست بربكم ﴿كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعآء وندآء﴾ لأنهم كانوا في الصف الأخير إذ الأرواح كانوا جنودا مجندة في أربعة صفوف فكان في الصف الأول أرواح الأنبياء عليهم السلام وفي الثاني أرواح الأولياء وفي الثالث أرواح المؤمنين وفي الرابع أرواح الكافرين فأحضرت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها فخاطبهم الحق ألست بربكم فالأنبياء سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب ولهذا استحقوا ههنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي الله أعلم حيث يجعل رسالته والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا ههنا احتاجوا لمتابعة الأنبياء فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الإلهام والكلام من وراء الحجاب والمؤمنون سمعوا خطاب الحق من وراء حجاب الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء ولهذا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء وإن بلغتهم من وراء حجاب رسالة جبريل وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا سمعنا وأطعنا ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآىا حجاب﴾ (الشورى : 51) يعني الأولياء ﴿أو يرسل رسولا﴾ يعني المؤمنين والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاثة كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء فما شاهدوا من أنوار كمال الحق لا قليلا ولا كثيرا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وما فهموا شيئا من كلام الحق لا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين من وراء الحجاب لما قالوا بلى فقالوا بالتقليد ولهذا ههنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم لقوله تعالى ﴿وكذالك مآ أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير﴾ (الزخرف : 23) فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد وتكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون من التمتعات البهيمية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية أصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن ﴿صم﴾ عن استماع دعوة الأنبياء بسمع القبول ﴿بكم﴾ عن قول الحق والإقرار بالتوحيد ﴿عمى﴾ عن رؤية آيات المعجزات ﴿فهم لا يعقلون﴾ أبدا لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية وحرموا من فيض الأنوار الربانية.
قال الصائب :
جزء : 1 رقم الصفحة : 274
را زغير شكايت كنم كه همو حباب
هميشه خانه خراب هواي خويشتنم
وفي "المثنوي" :
كره ناصح را بود صد داعيه
ندرا اذني ببايد واعيه
275
توبصد تلطيف نداش ميدهى
اوزندت ميكند بهلوتهى
يك كس نامستمع زاستيزورد
صدكس كوينده را عاجز كند
زانبيا ناصح تر وخوش لهجة تر
كى بودكه رفت دمشان درحجر
زانه كوه وسنك دركار آمدند
مي نشد بد بخت را بكشاده بند
آننان دلها كه بدشان ماومن
تعتشان شد بل أشد قسوة
فعلى العاقل أن يتدارك حاله بسلوك طريق الرضى والندم على ما مضى ويزكي نفسه عن سفساف الأخلاق ويصفي قلبه إلى أن تنعكس إليه أنوار الملك الخلاق وذلك لا يحصل غالبا إلا بتربية كامل من أهل التحقيق لأن المرء محجوب عن ربه وحجابه الغفلة وهي وإن كانت لا ترفع ولا تزول إلا بفضل الله تعالى لكنه بأسباب كثيرة ولا اهتداء إلى علاج المرض إلا بإشارة حكيم حاذق وذلك هو المرشد الكامل فإذا يزول الرين عن القلب وتنفتح روزنة البال إلى الغيب فيكون إقرار السالك تحقيقا لا تقليدا وتوحيده تجريدا وتفريدا فحينئذ يعكس الأمر فيكون أصم عن سماع أخبار ما سوى المحبوب الحقيقي أبكم عن إفشاء سر الحقيقة أعمى عن رؤية الأغيار في هذه الدار الفانية اللهم خلصنا من التقليد وأوصلنا إلى حقيقة التوحيد إنك حميد مجيد.
جزء : 1 رقم الصفحة : 274