تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أن السرى قدس سره قال : مكثت عشرين سنة أخرس خلق الله تعالى فلم يقع في شبكتي إلا واحد كنت أتكلم في المسجد الجامع ببغداد يوم الجمعة وقلت عجبت من ضعيف عصى قويا فلما كان يوم السبت وصليت الغداة إذا أنا بشاب قد وافى وخلفه ركبان على دواب بين يديه غلمان وهو راكب على دابته فنزل وقال : أيكم السري السقطي فأومأ جلسائي إلي فسلم علي وجلس وقال : سمعتك تقول عجبت من ضعيف عصى قويا فما أردت به فقلت ما ضعيف أضعف من ابن آدم ولا قوي أقوى من الله تعالى وقد تعرض ابن آدم مع ضعفه إلى معصية الله تعالى قال : فبكى ثم قال : يا سرى هل يقبل ربك غريقا مثلي؟ قلت : ومن ينقذ الغرقى إلا الله تعالى قال : يا سري إن علي مظالم كثيرة كيف أصنع قال : إذا صححت الانقطاع إلى الله تعالى أرضى عنك الخصوم بلغنا عن النبي عليه السلام أنه قال : "إذا كان يوم القيامة واجتمع الخصوم على ولي الله وكل لكل منهم ملكا يقول لا تروعوا ولي الله فإن حقكم اليوم على الله تعالى" فبكى ثم قال : صف لي الطريق إلى الله فقلت : إن كنت تريد المقتصدين فعليك بالصيام والقيام وترك الآثام وإن كنت تريد طريق الأولياء فاقطع العلائق واتصل بخدمة الخالق فبكى حتى بل منديلا له ثم انصرف وكان من أمره كيت وكيت من ترك الأهل والعيال والسكون عند المقابر وتغيير الحال حتى توفي ذلك الشاب على الإحالة التي أقبل عليها قال السري فحلمت يوما عيناي فإذا به يرفل في السندس والاستبرق ويقول لي جزاك الله خيرا فقلت : ما فعل الله بك؟ قال : أدخلني الجنة ولم يسألني عن ذنب انتهى.

جزء : 1 رقم الصفحة : 241

﴿قل أتحآجوننا﴾ المحاجة المجادلة ودعوى الحق وإقامة الحجة على ذلك من كل واحد والهمزة للإنكار والتوبيخ ، وسبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى قالوا إن الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا وديننا أقدم فقال الله تعالى : قل يا محمد لليهود والنصارى أتجادلوننا وتخاصموننا

244

﴿فى الله﴾ أي : في دينه وتدعون أن دينه الحق هو اليهودية والنصرانية وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما وتقولون تارة لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وتارة كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ﴿وهو ربنا وربكم﴾ أي : والحال أنه لا وجه للمجادلة أصلا لأنه تعالى مالك أمرنا وأمركم.

﴿ولنآ أعمالنا﴾ الحسنة الموافقة لأمره ﴿ولكم أعمالكم﴾ السيئة المخالفة لحكمه فكيف تدعون أنكم أولى بالله ﴿ونحن له﴾ أي : تعالى ﴿مخلصون﴾ في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهه فأنى لكم المحاجة وادعاء حقية ما أنتم عليه والطمع في دخول الجنة بسببه ودعوة الناس إليه وأنتم به مشركون ، والإخلاص تصفية العمل عن الشرك والرياء وحقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين.

جزء : 1 رقم الصفحة : 244

﴿أم تقولون﴾ أم معادلة للهمزة في قوله تعالى : أتحاجوننا داخلة في حيز الأمر على معنى أي : الأمرين تأتون إقامة الحجة وتنوير البرهان على حقية ما أنتم عليه والحال ما ذكر أم التشبث بذيل التقليد والافتراء على الأنبياء وتقولون ﴿إن إبراهام وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط﴾ وهي حفدة يعقوب وهم أولاد أولاده الاثني عشر وعن الزجاج أنه قال : الأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل فولد كل واحد من ولد إسحاق سبط ومن ولد إسماعيل قبيلة ﴿كانوا هودا أو نصارى﴾ فنحن مقتدون بهم والمراد إنكار كلا الأمرين والتوبيخ عليهما أي : كيف تحاجون وكيف تقولون في حق الأنبياء الذين بعثوا قبل نزول التوراة والإنجيل أنهم كانوا هودا أو نصارى ومن المحال أن يقتدي المتقدم بالمتأخر ويستن بسنته ﴿قل﴾ يا محمد ﴿ءأنتم﴾ الاستفهام للتقرير والتوبيخ ﴿أعلم﴾ بدينهم ﴿أم الله﴾ أعلم ﴿ومن أظلم﴾ إنكار لأن يكون أحد أظلم فالاستفهام بمعنى النفي ﴿ممن كتم﴾ أي : ستر وأخفى عن الناس ﴿شهادة﴾ ثابتة ﴿عنده﴾ أي : عند من كائنة ﴿من الله﴾ قوله عنده ومن الله صفتان لشهادة أي : شهادة حاصلة عنده صادرة من الله تعالى يعني يا أهل الكتاب قد علمتم بشهادة حصلت عندكم صادرة من الله تعالى بأن إبراهيم وبنيه كانوا حنفاء مسلمين بأن أخبركم الله بذلك في كتابكم ثم إنكم تكتمونها وتدعون خلاف ما شهد الله به في حقهم فلا أحد أظلم منكم حيث أجزأتم على تكذيب الله تعالى فيما أخبر به وتعليق الأظلمية بمطلق الكتمان للإيمان إلى أن مرتبة من يدريها ويشهد بخلافها في الظلم خارجة عن دائرة البيان وعن ابن عباس أكبر الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة قال تعالى : ﴿ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه﴾ (البقرة : 283) والمراد مسخ القلب ونعوذ بالله من ذلك ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾

جزء : 1 رقم الصفحة : 244

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ١٩٦