تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿قولوا﴾ أيها المؤمنون ﴿بالله وباليوم﴾ وحده ﴿ومآ أنزل إلينا﴾ أي : بالقرآن الذي أنزل على نبينا والإنزال إليه إنزال إلى أمته لأن حكم المنزل يلزم الكل ﴿ومآ أنزل إلى إبراهام﴾ من صحفه العشر ما أنزل إلى ﴿وإسماعيل وإسحاق ويعقوب﴾ ﴿و﴾ إلى ﴿ومآ﴾ جمع سبط وهو في أصل شجرة واحدة لها أغصان كثيرة والمراد هنا أولاد يعقوب وهم اثنا عشر سموا بذلك لأنه ولد لكل منهم جماعة وسبط الرجل حافده أي : ولد ولده والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب والشعوب من العجم وهم جماعة من أب وأم وكان في الأسباط أنبياء والصحف وإن كانت نازلة إلى إبراهيم لكن من بعده حيث كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها جعلت منزلة إليهم كما جعل القرآن منزلا إلينا ﴿ومآ أوتىا موسى وعيسى﴾ من التوراة والإنجيل وتخصيصهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى ﴿ومآ أوتي النبيون﴾ جملة المذكورين منهم وغير المذكورين.

﴿من ربهم﴾ في موضع الحال من العائد المحذوف والتقدير وبما أوتيه النبيون منزلا عليهم من ربهم.

﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ كاليهود فنؤمن ببعض ونكفر ببعض وكيف نفعل ذلك والدليل الذي أوجب علينا أن نؤمن ببعض الأنبياء وهو تصديق الله إياه بخلق المعجزات على يديه يوجب الإيمان بالباقين فلو آمنا ببعض وكفرنا بالبعض لناقضنا أنفسنا والجملة حال من الضمير في آمنا وإنما اعتبر عدم التفريق بينهم مع أن الكلام فيما أوتوه لا يستلزم عدم التفريق بينهم بالتصدق والتكذيب لعدم التفريق بين ما أوتوه واحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه ﴿ونحن له مسلمون﴾ أي : والحال إنا مخلصونتعالى ومذعنون.

جزء : 1 رقم الصفحة : 241

﴿فإن ءامنوا﴾ أي : اليهود والنصارى ﴿بمثل مآ﴾ أي : بمثل الدين الذي ﴿به فقد﴾ هذا من باب التعجيز والتبكيت أي : إلزام الخصم وإلجائه إلى الاعتراف بالحق بإرخاء عنانه وسد طرق المجادلة عليه والمثل مقحم والمعنى فإن آمنوا بما آمنتم به وهو الله تعالى فإنه ليستعالى مثل وكذا لدين الإسلام.

﴿فقد اهتدوا﴾ إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الاتحاد والاتفاق ﴿وإن تولوا﴾ أي إن أغضوا عن الإيمان على الوجه المذكور بأن أخلوا بشيء من ذلك كأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما هو ديدنهم ودينهم ﴿فإنما هم فى شقاق﴾ أي : مستقرون في خلاف عظيم بعيد من الحق وهذا لدفع ما يتوهم من احتمال الوفاق بسبب إيمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون فقوله في شقاق خبر لقوله هم وجعل الشقاق ظرفا لهم وهم مظروفون له مبالغة في الإخبار باستيلائه عليهم فإنه بلغ من قولك هم مشاقون والشقاق مأخوذ من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه بسبب العداوة ولما دل تنكير الشقاق على امتناع الوفاق وأن ذلك مما يؤدي إلى الجدال والقتال لا محالة عقب ذلك بتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفريح المؤمنين بوعد النصرة والغلبة وضمان التأييد والاعزاز بالسين للتأكيد الدالة على تحقق الوقوع البتة فقيل : ﴿فسيكفيكهم الله﴾ الضميران منصوبا المحل على أنهما مفعولان ليكفي يقال كفاه مؤنته كفاية وإن كثر استعماله معدى إلى واحد نحو كفاك الشيء والظاهر أن المفعول الثاني حقيقة في الآية هو المضاف المقدر أي : فسيكفي الله إياك أمر اليهود والنصارى

242

ويدفع شرهم عنك وينصرك عليهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال وقد أنجز الله وعده الكريم بالقتل والسبي في بني قريظة والجلاء والنفي إلى الشام وغيره في بني النضير والجزية والذلة في نصارى نجران ﴿وهو السميع العليم﴾ تذييل لما سبق من الوعد وتأكيد له والمعنى أنه تعالى يسمع ما تدعو به ويعلم ما في نيتك من إظهار الدين فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك.

جزء : 1 رقم الصفحة : 241

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ١٩٤