تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في باب التزكية فلا بد للعبد من دليل ومرشد يهتدي به إلى مقصوده ومن لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان ، قال الحافظ :

بكوى عشق منه بي دليل رآه قدم

كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد

والمرشد الكامل يزكي نفس السالك بإذن الله ويطهرها من دنس الالتفات إلى ما سوى الله ويتلو عليه الآيات الأنفسية والآفاقية ليكون من الموقنين ويغتنم النعيم الروحاني ويدخل في زمرة الصديقين فقوله تعالى : ﴿ويزكيهم﴾ يشير إلى السلوك والتسليك فاحفظ هذا وليكن على ذكر منك اللهم احفظنا من الموانع في طريق الوصول إليك فإن كل رجاء في حيز القبول لديك.

جزء : 1 رقم الصفحة : 233

﴿ومن يرغب عن ملة إبراهام﴾ من استفهامية قصد بها الإنكار والتقريع رغب في الشيء إذا أراده ورغب عنه إذا تركه أي : لا يترك دين إبراهيم أحد ولا يعرض عن شريعته وطريقته.

﴿إلا من سفه نفسه﴾ أي : أذلها وجعلها مهينا حقيرا فانتصاب نفسه على أنه مفعول به.

روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما : قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة : إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون فأسلم سلمة وأبى مهاجر فأنزل الله هذه الآية ﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا﴾ أي : وبالله لقد اخترنا إبراهيم في الدنيا من بين سائر الخلق بالنبوة والحكمة ﴿وإنه فى الاخرة﴾ متعلق بقوله : ﴿لمن الصالحين﴾ أي : من المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح فمن كان صفوة العباد في الدنيا مشهودا له في الآخرة بالصلاح كان حقيقا بالاتباع لا يرغب عن ملته إلا سفيه أي : في أصل خلقته أو متسفه يتكلف السفاهة بمباشرة أفعال السفهاء باختياره فيذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر والتأمل فقوله : ﴿وإنه فى الاخرة لمن الصالحين﴾ بشارة له في الدنيا بصلاح الخاتمة ووعد له بذلك وكم من صالح في أول حاله ذهب صلاحه في مآله وكان في الآخرة لعذابه ونكاله كبلعم وبرصيصا وقارون وثعلبة.

جزء : 1 رقم الصفحة : 236

﴿إذ قال له﴾ ظرف لاصطفيناه وتعليل له أي : اخترناه في وقت قال له : ﴿ربه أسلم﴾ أي : أخلص دينك لربك واستقم على الإسلام واثبت عليه وذلك حين خرج من الغار ونظر إلى الكوكب والقمر والشمس فألهمه الله الإخلاص ﴿قال أسلمت لرب العالمين﴾ أي : أخلصت ديني له كقوله : ﴿إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض﴾ (الأنعام : 79) الآية وقد امتثل ما أمر به من الإخلاص والاستسلام وأقام على ما قال فسلم القلب والنفس والولد والمال ولما قال له جبريل حين ألقي في النار هل لك من حاجة فقال : أما إليك فلا فقال : ألا تسأل ربك؟ فقال : حسبي بسؤالي علمه بحالي.

قال أهل التفسير : إن إبراهيم ولد في زمن النمرود بن كنعان وكان النمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له إنه يولد في بلدك في هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه قالوا : فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك السنة فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها فولدته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء وهو نبت في الماء يقال له بالتركي "حصير قمشى" ثم رجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت وأن الولد في موضع

236

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ١٨٩