تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلم يسألوه شيئا بعد ذلك وهو كقوله ﴿لا تساالوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم﴾ (المائدة : 101) وذهب نفر من هذا الجمع بنجاتهما من النار منهم الإمام القرطبي حيث قال في "التذكرة" إن عائشة رضي الله عنها قالت : حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمر على عقبة الحجون وهو باكك حزين مغتم فبكيت لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه ظفر فنزل فقال : "يا حميراء استمسكي" أي زمام الناقة فاستندت إلى جنب البعير فمكث عني طويلا ثم إنه عاد إلي وهو فرح متبسم فقلت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله نزلت من عندي وأنت باكك حزين مغتم فبكيت لبكائك يا رسول الله؟ ثم إنك عدت إلي وأنت فرح متبسم فعما ذا يا رسول الله فقال : "ذهبت لقبر آمنة أمي فسألت الله ربي أن يحييها فأحياها فآمنت" وروى أن الله أحيا له أباه وأمه وعمه أبا طالب وجده عبد المطلب قال الحافظ شمس الدين الدمشقي :

حبا الله النبي مزيد فضل

على فضل وكان به رؤوفا

فأحيا أمه وكذا أباه

لإيمان به فضلا لطيفا

فسلم فالقديم به قدير

وإن كان الحديث به ضعيفا

جزء : 1 رقم الصفحة : 215

وفي "الأشباه والنظائر" : من مات على الكفر أبيح لعنه إلا والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لثبوت أن الله تعالى أحياهما له حتى آمنا كذا في "مناقب الكردي".

وذكر أن النبي عليه السلام بكى يوما بكاء شديدا عند قبر أبويه وغرس شجرة يابسة وقال : "إن اخضرت فهو علامة إمكان إيمانهما" فاخضرت ثم خرجا من قبرهما ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وأسلما ثم ارتحلا.

قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره ومما يدل على ذلك أن اسم أبيه كان عبد الله والله من الأعلام المختصة بذاته تعالى لم يسم به صنم في الجاهلية فإن اسم بعض أصنامهم اللات وبعضها العزى انتهى كلامه وليس إحياهما وإيمانهما به ممتنعا عقلا ولا شرعا وقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى وكذلك نبينا عليه السلام أحيا الله على يديه جماعة من الموتى وإذا ثبت هذا فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته وفضيلته وما روى من أنه عليه السلام زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال : "استأذنت في أن استغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت" فهو متقدم على إحيائهما لأنه كان في حجة الوداع ولم يزل عليه السلام راقبا في المقامات السنية صاعدا في الدركات العلية صاعدا في الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له عليه السلام بعد أن لم تكن.

فإن قلت الإيمان لا يقبل عند المعاينة فكيف بعد الإعادة.

قلت : الإيمان عند المعاينة إيمان يأس فلا يقبل بخلاف الإيمان بعد الإعادة وقد دل على هذا ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ (الأنعام : 28) وورد أن أصحاب الكهف يبعثون في آخر الزمان ويحجون ويكونون من هذه الأمة تشريفا لهم بذلك وورد مرفوعا "أصحاب الكهف أعوان المهدي فقد اعتد بما يفعله أصحاب الكهف بعد إحيائهم من الموت" ولا بدع أن يكون الله تعالى كتب لأبوي النبي عمرا ثم قبضهما قبل استيفائه ثم أعادهما لاستيفائه تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيعتد به وتكون تلك البقية بالمدة الفاصلة بينهما لاستدراك الإيمان من جملة ما أكرم الله تعالى به نبيه صلى الله

217

عليه وسلم كما أن تأخير أصحاب الكهف هذه المدة من جملة ما أكرموا به ليجوزوا شرف الدخول في هذه الأمة.

جزء : 1 رقم الصفحة : 215

وذهب خاتمة الحفاظ والمحدثين الإمام السخاوي في هذه المسألة إلى التوقف حيث قال في "المقاصد الحسنة" بعدما أورد الشعر المذكور للحافظ الدمشقي وقد كتبت فيه جزءا والذي أراه الكف عن التعرض لهذا إثباتا ونفيا انتهى.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ١٧٣