روي أن الإمام الأعظم والهمام الأقدم رحمه الله : لم يشتغل بالدعوة إلى مذهبه إلا بالإشارة النبوية في المنام بعدما قصد الانزواء فهذا أعدل دليل إلى وصوله إلى الحقيقة وكان يقوم كل الليل وسمع رحمه الله هاتفا في الكعبة أن يا أبا حنيفة أخلصت خدمتي وأحسنت معرفتي فقد غفرت لك ولمن تبعك إلى قيام الساعة كذا في "عين العلم" للشيخ محمد البلخي رحمه الله.
وعن بعض العارفين قبلة البشر الكعبة وقبلة أهل السماء البيت المعمور وقبلة الكروبيين الكرسي وقبلة حملة العرش العرش ومطلوب الكل وجه الله سبحانه وتعالى.
جزء : 1 رقم الصفحة : 208
﴿وقالوا﴾ نزلت لما قالت اليهود عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله ومشركو العرب الملائكة بنات الله فضمير قالوا : راجع إلى الفرق الثلاث المذكورة سابقا أما اليهود والنصارى فقد ذكروا صريحا وأما المشركون فقد ذكروا بقوله تعالى : ﴿كذالك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ (البقرة : 113) أي : قال اليهود والنصارى وما شاركهم فيما قالوا من الذين لا يعلمون ﴿اتخذ الله ولدا﴾ الاتخاذ إما بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى إلا إلى واحد وإما بمعنى التصيير والمفعول الأول محذوف أي : صير بعض مخلوقاته ولدا وادعى أنه ولده لا أنه ولده حقيقة وكما يستحيل عليه تعالى أن يلد حقيقة كذا يستحيل عليه التبني واتخاذ الولد فنزه الله تعالى نفسه عما قالوا في حقه فقال : ﴿سبحانه﴾ تنزيهه والأصل سبحه سبحانا على أنه مصدر بمعنى التسبيح وهو التنزيه أي : منزه عن السبب المقتضي للولد وهو الاحتياج إلى من يعينه في حياته ويقوم مقامه بعد مماته وعما يقتضيه الولد وهو التشبيه فإن الولد لا يكون إلا من جنس والده فكيف يكون للحق سبحانه ولد وهو لا يشبهه شيء.
قال في "المثنوي" :
لم يلد لم يولد است او از قدم
نى در دارد نه فرزندو نه عم
﴿بل له ما في السماوات والارض﴾ رد لما قالوه واستدلال على فساده فإن الإضراب عن قول المبطلين معناه الرد والإنكار.
وفي "الوسيط" بل أي : ليس الأمر كما زعموا والمعنى أنه خالق ما في السموات والأرض جميعا الذي يدخل فيه الملائكة وعزير والمسيح دخولا أولياء فكان المستفاد من الدليل أن يكون شيء ما مما في السموات والأرض ولدا سواء كان ذلك ما زعموا أنه ولد له أم لا ﴿كل﴾ أي : كل ما فيهما كائنا ما كان من أولي العلم وغيرهم ﴿له﴾
213
أي : سبحانه وتعالى : ﴿قانتون﴾ منقادون لا يمتنع شيء منهم على مشيئته وتكوينه وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته فلا يكون له ولد لأنه من حق الولد أن يجانس والده وإنما عبر عن جميع الموجودات أولا بما يعبر به عن غير ذوي العلم وعبر عنه آخر بما يختص بالعقلاء وهو لفظ قانتون تحقيقا لشأن العقلاء الذين جعلوه ولداسبحانه.
جزء : 1 رقم الصفحة : 213
﴿بديع السماوات والارض﴾ أي : هو مبدعهما على أن البديع بمعنى المبدع وهو الذي يبدع الأشياء أي : يحدثها أو ينشئها على غير مثال سبق والإبداع اختراع الشيء لا عن شيء دفعة أي : من غير مادة ومدة وسمي صاحب الهوى مبتدعا لما لم يسبقه أحد من أرباب الشرع في إنشاء مثل ما فعله أو المعنى بديع سمواته وأرضه فعلى الأول من أبدع والإضافة معنوية وعلى الثاني من بدع إذا كان على شكل فائق وحسن رائق والإضافة لفظية وهو حجة أخرى لإبطال مقالتهم الشنعاء تقريرها أن الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادته عنه والله تعالى مبدع الأشياء كلها على الإطلاق منزه عن الانفعال فلا يكون والدا ومن قدر على خلق السموات والأرض من غير شيء كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أب ﴿وإذا قضى أمرا﴾ أي : أراد شيئا وأصل القضاء الأحكام أطلق على إرادة الإلهية المتعلقة بوجود الشيء لإيجابها إياه ألبتة.
﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ أي : يحصل في الوجود سريعا من غير توقف ولا إباء كلاهما من كان التامة أي : أحدث فيحدث.
واعلم أن أهل السنة لا يرون تعلق وجود الأشياء بهذا الأمر وهو كن بل وجودها متعلق بخلقه وإيجاده وتكوينه وهو صفة أزلية وهذا الكلام عبارة عن سرعة حصول المخلوق بإيجاده وكمال قدرته على ذلك لكن لا يتعلق علم أحد بكيفية تعلق القدرة بالمعدومات فيجب الإمساك عن بحثها وكذا عن بحث كيفية وجود الباري وكيفية العذاب بعد الموت وأمثالها فإنها من الغوامض.
جزء : 1 رقم الصفحة : 213