تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعد من علامات الساعة تطويل المنارات وتنقيش المساجد وتزيينها وتخريبها عن ذكر الله تعالى فتعطيل المساجد عن الصلاة والتلاوة وإظهار شعائر الإسلام أقبح سيئة لا سيما إذ اقترن بفتح أبواب بيوت الخمر وإغلاق أبواب المكاتب وغير ذلك ولقد شوهد هذا في أكثر البلاد الرومية في هذا الزمان فلنبك على غربة الدين أيها الإخوان.

قال القشيري رحمه الله ومن أظلم ممن خرب بالشهوات أوطان العبادات وهي نفوس العابدين وخرب بالمنى والعلامات أوطان المعرفة وهي قلوب العارفين وخرب بالحظوظ والمساكنات أوطان المحبة وهي أرواح الواجدين وخرب بالتفات إلى القربات أوطان المشاهدات وهي أوطان الموحدين.

ثم في الآية إشارة إلى شرف بيت المقدس والمسجد الحرام وفي الحديث "من زار بيت المقدس محتسبا أعطاه الله ثواب ألف شهيد وحرم الله جسده على النار ومن زار عالما فكأنما زار بيت المقدس" كذا في "مشكاة الأنوا"ر.

وذكر في "القنية" : أن أعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال ثم مساجد الشوارع فإنها أخف مرتبة حتى لا يعتكف فيها

209

إذا لم يكن لها إمام معلوم ومؤذن ثم مساجد البيوت فإنه لا يجوز الاعتكاف فيها إلا للنساء انتهى.

قال حضرة الشيخ الشهير بافتادة أفندي : لا مقام أشرف من الجامع الكبير ببروسة بعد الكعبة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف وقال : كان هو موضع بيت عجوز آمنت بنوح النبي عليه السلام فحفظها الله من الطوفان في ذلك البيت حين لم تدرك السفينة هكذا ظهر لبعض أهل الله بطريق الكشف ومن اشتغل فيه صانه الله من طوفان الغفلة.

وقال أيضا : الاشتغال في مكة يوما يقوم مقام الاشتغال في سائر البلاد سنة بشرط رعاية آدابها قال وفي بلادنا للشغل موضعان أحدهما جامع السيد البخاري ببلدة بروسة والآخر مقام أبي أيوب الأنصاري بقسطنطينية :

جزء : 1 رقم الصفحة : 208

عابدان اندر نماز وعارفان اندر نياز

عاشقان ازشوق وصل يار در سوز وكداز

اللهم اجعلنا من المشغولين بك.

﴿ولله المشرق والمغرب﴾ يريد بهما ناحيتي الأرض إذ لا وجه لإرادة موضعي الشروق والغروب بخصوصهما أي : له الأرض كلها لا يختص به من حيث الملك والتصرف ومن حيث المحلية لعبادته مكان منها دون مكان فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجدا ﴿فأينما تولوا﴾ أي : ففي أي : مكان فعلتم تولية وجوهكم القبلة.

قال الإمام ولي إذا أقبل وولي إذا أدبر وهو من الأضداد والمراد ههنا الإقبال ﴿فثم وجه الله﴾ أي : هناك جهته التي أمر بها ورضيها قبلة فإن إمكان التولية غير مختص بمسجد دون مسجد أو مكان دون آخر أو فثمة ذاته بمعنى الحضور العلمي فيكون الوجه مجازا من قبيل إطلاق اسم الجزء على الكل والمعنى ففي أي : مكان فعلتم التولية فهو موجود فيه يمكنكم الوصول إليه إذ ليس هو جوهرا أو عرضا حتى يكون بكونه في جانب مفرغا جانبا ولما امتنع عليه أن يكون في مكان أريد أن علمه محيط بما يكون في جميع الأماكن والنواحي أي : فهو عالم بما يفعل فيه ومثيب لكم على ذلك وفي الحديث "لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" معناه إن علم الله شمل جميع الأقطار فالتقدير لهبط على علم الله والله تعالى منزه عن الحلول في الأماكن لأنه كان قبل أن يحدث الأماكن كذا في "المقاصد الحسنة".

واعلم أن أين شرط في الأمكنة وهو ههنا منصوب بتولوا وما مزيدة للتأكيد وثم ظرف مكان بمنزلة هناك تقول لما قرب من المكان هنا ولما بعد ثم وهناك وهو خبر مقدم ووجه الله مبتدأ والجملة في محل الجزم على أنها جواب الشرط ﴿إن الله واسع﴾ بإحاطته بالأشياء ملكا وخلقا فيكون تذييلا لقوله ولله المشرق والمغرب وكذا إن فسرت السعة بسعة الرحمة فإن قوله ولله المشرق والمغرب لما اشتمل على معنى قولنا لا تختص العبادة والصلاة ببعض المساجد بل الأرض كلها مسجد لكم فصلوا في أي : بقعة شئتم من بقاعها فهم منه أنه واسع الشريعة بالترخيص والتوسعة على عباده في دينهم لا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه والمقصود التوسعة على عباده والتيسير عليهم في كل ما يحتاجون إليه فيدخل فيه التوسعة في أمر القبلة دخولا أولويا وهذا التعميم مستفاد من إطلاق واسع حيث لم يقيد بشيء دون شيء.

جزء : 1 رقم الصفحة : 208

قال الغزالي في شرح الأسماء الحسنى : الواسع مشتق من السعة والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة وتضاف أخرى إلى الإحسان وبسط

210

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ١٦٧