العبد ومظهرا لأحواله وأما قرب الفرائض فهو المصرح في قوله قال الله تعالى على لسان عبده (سمع الله لمن حمده) وهو كون صفات العبد وأحواله مرآة لذات الحق ومظهرا لوجوده وباعتبار قرب النوافل كان الظاهر والمرئي والمشهود هو العبد باعتبار قرب الفرائض هو الحق ﴿فله أجره﴾ ثوابه الذي وعد له على عمله وهو عبارة عن دخول الجنة وتصويره بصورة الأجر للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل واستحالة نيله بدونه ﴿عند ربه﴾ أي : حال كون ذلك الأجر ثابتا عند مالكه ومدبر أموره ومبلغه إلى كماله لا يضيع ولا ينقص والعندية للتشريف والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة والفاء لتضمنها معنى الشرط ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة عند دخول الجنة كما قال تعالى خبرا عن أهل الجنة ﴿الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن﴾ (فاطر : 34) وأما في الدنيا فإنهم يخافون من أن يصيبوا الشدائد والأهوال العظام قدامهم ويحزنون على ما فاتهم من الأعمال الصالحة والطاعات المؤدية إلى الفوز بأنواع السعادات فإن المؤمن كما لا يقنط من رحمة الله لا يأمن من غضبه وعقابه كما قيل : لا يجتمع خوفان ولا أمنان فمن خاف في الدنيا أمن في الآخرة حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب فإن الخوف إنما يكون مما يتوقع في المستقبل كما أن الحزن إنما يكون على ما وقع سابقا ومن أمن في الدنيا خاف في الآخرة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 204
قال في "المثنوي" :
لا تخافوا هست نزل خائفان
هست در خور از براي خائف آن
هركه ترسد مرورا أيمن كنند
مردل ترسنده را ساكن كنند
آنكه خوفش نيست ون كويى مترس
درس ه دهى نيست أو محتاج درس
جزء : 1 رقم الصفحة : 204
﴿وقالت اليهود﴾ بيان لتضليل كل فريق من اليهود والنصارى صاحبه بخصوصه إثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم ﴿ليست النصارى على شىء﴾ أي : على أمر يصح أو يعتد به ﴿وقالت النصارى ليست اليهود على شىء وهم﴾ أي : قالوا ما قالوا والحال أن كل فريق منهم ﴿يتلون الكتاب﴾ اللام للجنس أي إنهم من أهل العلم والكتاب والتلاوة للكتب وحق من تلا كتابا من كتب الله تعالى وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من كتب الله يصدق ما عداه ﴿كذالك﴾ أي : مثل ذلك القول الذي سمعت به من هؤلاء العلماء الضالة على أن الكاف في موضع النصب على أنه مفعول قال : ﴿قال الذين لا يعلمون﴾ من عبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم من الجهلة أي : قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء.
﴿مثل قولهم﴾ بدل من محل الكاف وفيه توبيخ عظيم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم أصلا.
﴿فالله يحكم بينهم﴾ بين الفريقين ﴿يوم القيامة فيما كانوا فيه﴾ متعلق بيختلفون قدم للمحافظة على رؤوس الآي ﴿يختلفون﴾ من أمر الدين.
فإن قلت : بم يحكم؟ قلت : بما يقسم لكل فريق مما يليق به من العقاب وفعل الحكم يتعدى بجارين الباء وفي كما يقال حكم الحاكم في هذه القضية بكذا وفي الآية قد ذكر المحكوم فيه دون المحكوم به.
واعلم أن كل حزب بما لديهم فرحون وليس ذلك في الفرق الضالة خاصة بل ذلك يجري بين صوفي وصوفي وشيخ
207
وشيخ وعالم وعالم فتخطئة كل فريق صاحبه مستمرة والأولى أن يتبع الهدى.
قال بعض المشايخ من ادعى أنه صاحب قلب وإرشاد بدون تزكية النفس ومعرفة المبدأ والمعاد لأجل الدنيا الدنيئة كان عذابه أضعاف عذاب النساء اللاتي رآهن النبي عليه السلام ليلة المعراج يقطعن صدورهن بمقاريض فسأل جبريل فقال : "إنهن الزواني من النساء اللاتي جئن بأولاد من الزنى" فالدعوى باطلة بدون الدليل وصاحبها ضال مضل والمدعي كالزانية والتابع له على هواه كولد الزنى فإن ولد الزنى هالك حكما لعدم المربي والاتباع لمبتدع لا ينتج إلا البدعة والإلحاد.
جزء : 1 رقم الصفحة : 207
وحكي عن الشيخ صدر الدين التبريزي أنه قال : كان رجل مشهور في تبريز يقال له عارف قدم يوما إلى مجلس بعض العارفين فقال له : ما اسمك؟ قال : محمود لكن يقال لي عارف قال له : هل عرفت ذاتك حتى قيل لك عارف؟ فقال : قرأت كتبا كثيرة من مقالات المشايخ والصوفية ، قال له : ذلك كلامهم فما لك؟
بر خويش بايد كرد رواز
ببال ديكران نتوان ريدن