﴿يسالك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء﴾ (النساء : 153) إلى قوله : ﴿جهرة﴾ (النساء : 153) فالمخاطبون بقوله أم تريدون هم اليهود وإضافة الرسول إليهم في قوله رسولكم باعتبار أنهم من أمة الدعوة ومعنى تبدل الكفر بالإيمان ترك صرف قدرتهم إليه مع تمكنهم من ذلك وإيثارهم للكفر عليه.
قال الإمام : وهذا أصح لأن الآية مدنية ولأن هذه السورة من أول قوله : يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى} (البقرة : 47) حكاية عنهم ومحاجة معهم.
وفي الآية إشارة إلى حفظ الآداب فمن لم يتأدب بين يدي مولاه ورسوله وخلفائه فقد تعرض للكفر وحقيقة الأدب اجتماع خصال الخير وعن النبي عليه السلام قال : "حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن مرضعه ويحسن أدبه فإنه مسؤول عنه يوم القيامة ومؤاخذ بالتقصير فيه".
قال في "بستان العارفين" : مثل الإيمان مثل بلدة لها خمسة من الحصون : الأول من ذهب ، والثاني : من فضة ، والثالث : من حديد ، والرابع : من حبو كل والخامس من لبن فما دام أهل الحصن يتعاهدون الحصن الذي من اللبن فالعدو لا يبلغ فيهم فإذا تركوا التعاهد حتى خرب الحصن الأول طمع في الثاني ثم في الثالث حتى خرب الحصون كلها فكذلك الإيمان في خمسة من الحصون : أولها اليقين ثم الإخلاص ثم أداء الفرائض ثم إتمام السنن ثم حفظ الأدب فما دام يحفظ الأدب ويتعاهده فإن الشيطان لا يطمع فيه فإذا ترك الأدب طمع في السنن ثم في الفرائض ثم في الإخلاص ثم في اليقين وينبغي أن يحفظ الأدب في جميع أموره من أمر الوضوء والصلاة والبيع والشراء والصحبة وغير ذلك.
واعلم أن الشريعة هي الأحكام والطريقة هي الأدب وإنما رد من رد لعدم رعاية الأدب كإبليس وغيره من المردودين كما قيل :
بي أدب مرد كي شود مهتر
كره اورا جلالت نسبست
با ادب باش تابزرك شوي
كه بزر كي نتيجة أدبست
وسئل ابن سيرين أي : الأدب أقرب إلى الله فقال معرفة ربوبيته والعمل بطاعته والحمد على السراء والصبر على الضراء انتهى كلامه.
جزء : 1 رقم الصفحة : 202
﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ هم رهط من أحبار اليهود وروي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر رضي الله عنهما بعد وقعة أحد ألم تروا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا فقال عمار كيف نقض العهد فيكم قالوا شديد قال : فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت فقالت اليهود : أما عمار فقد صبا أي : خرج عن ديننا بحيث لا يرجى منه الرجوع إليه أبدا فكيف أنت يا حذيفة ألا تبايعنا قال حذيفة رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا فقالوا : وإله موسى لقد أشرب في قلوبكما حب محمد ثم أتيا رسول الله عليه السلام وأخبراه فقال : "أصبتما خيرا وأفلحتما" والمعنى أحب وأراد كثير من اليهود ﴿لو يردونكم﴾ أي : أن يردوكم فإن لو من الحروف المصدرية إذا جاءت بعد فعل يفهم منه معنى التمني نحو قوله تعالى : ﴿ودوا لو تكفرون﴾ (النساء : 89)
203
أي : أن يصرفوكم عن التوحيد ﴿منا بعد إيمانكم﴾ يا معشر المؤمنين ﴿كفارا﴾ أي : مرتدين حال من ضمير المخاطبين في يردونكم ويحتمل أن يكون مفعولا ثانيا ليردونكم على تضمينه معنى يصيرونكم ﴿حسدا﴾ علة لقوله ود كأنه قيل ود كثير ذلك من أجل الحسد ﴿من عند أنفسهم﴾ يجوز أن يتعلق بود على معنى أنهم تمنوا ارتدادكم من عند أنفسهم وقبل شهوتهم وأهوائهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم لأنهم ودوا ذلك فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق ويجوز أن يتعلق بحسدا أي : حسدا منبعثا من أصل نفوسهم بالغا أقصى مراتبه ﴿منا بعد ما تبين لهم الحق﴾ أي : من بعد ما ظهر لهم أن محمدا رسول الله وقوله حق ودينه حق بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة ﴿فاعفوا﴾ العفو ترك عقوبة المذنب يقال عفت الريح المنزل درسته وعفا المنزل يعفو درس يتعدى ولا يتعدى ومن ترك المذنب فكأنه درس ذنبه من حيث أنه ترك المكافاة والمجازاة وذلك لا يستلزم الصفح ولذا قال تعالى : ﴿واصفحوا﴾ فإنه قد يعفو الإنسان ولا يصفح.
والصفح ترك التقريع باللسان والاستقصاء في اللوم يقال : صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه بالكلية وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما الرضى بما فعلوا لأن ذلك كفر والله تعالى لا يأمر به بل المراد بهما ترك المقاتلة والإعراض عن الجواب عن مساوىء كلامهم ﴿حتى يأتى الله بأمره﴾ أي : يحكم الله بحكمه الذي هو الإذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم أو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير.
جزء : 1 رقم الصفحة : 202