﴿أوالائك﴾ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة ﴿الذين اشتروا الحيواة الدنيا﴾ واستبدلوها ﴿بالاخرة﴾ وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فإن ما ذكر من الكفر ببعض أحكام الكتاب إنما كان مراعاة لجانب حلفائهم لما يعود إليهم منهم من بعض المنافع الدينية والدنيوية ﴿فلا يخفف عنهم العذاب﴾ دنيويا كان أو أخرويا ﴿ولا هم ينصرون﴾ يمنعون من العذاب بدفعه عنهم بشفاعة أو جبر.
جزء : 1 رقم الصفحة : 174
اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيتهما شاء وأراد فإذا اشتغل بتحصيل إحداهما فقد فوت الأخرى على نفسه فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتابهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء وذلك من الله نهاية الذم ؛ لهم لأن المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم فأن يذم مشترى الدنيا بالآخرة أولى.
فعلى العاقل أن يرغب في تجارة الآخرة ولا يركن إلى الدنيا ولا يسفك دمه بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس ولا يخرج من ديار دينه التي كان عليها في أصل الفطرة فإنه إذا يضل ويشقى في قوله : ﴿لا تسفكون دمآءكم﴾ إشارة أخرى إلى أن العبد ولا يجوز له أن يقتل نفسه من جهد أو بلاء يصيبه أو يهيم في الصحراء ولا يأتي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه فهو عام في جميع ذلك.
وقد روي أن بعض الصحابة رضي الله عنهم عزموا أن يلبسوا المسوح وأن يهيموا في الصحراء ولا يأووا إلى البيوت ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء فقال عليه السلام : "إني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأغشى النساء وآوي إلى البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني" فرجعوا عما عزموا قال تعالى : "وآت كل ذي حق حقه" فالكمال في التجاوز عن القيود والوصول إلى عالم الشهود وعين العارف لا ترى غير الله في المرايا والمظاهر فمن أي : شيء يهرب وإلى أين يهرب فأينما تولوا فثم وجه الله ولذا قيل : الذي يطلب العلمإذا قيل له غدا تموت لا يضيع الكتاب من يده لكونه وفى الحقوق مشتغلا بهمخلصا له النية فلم ير أفضل مما هو فيه فيحب أن يأتيه الموت على ذلك.
واعلم أيضا أن الأسارى أصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى ومن أسير في قيد حب الدنيا فخلاصة بإخلاص ذكر الموت ، وفي "المثنوي" :
ذكر حق كن بأنك غولانرا بسوز
شم نركس را ازين كركس بدوز
ومن أسير بقي في قيد الوسواس فقد استهوته الشياطين ففداؤه برشده إلى اليقين بلوائح البراهين لينقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمات التقليد وما تعود بالتلقين ومن أسير تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ففك أسره في إرشاده إلى إقلاعها ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في الدلالة على الحق فيما يحل عنه وثاق الكون ومن أسير تجده في قبضة الحق فليس لأسيرهم فداء ولا لقتيلهم قود ولا لربيطهم خلاص ولا منهم بدل ولا معهم جدل ولا إليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم إلا بهم دليل ولا بهم فرار ولا معهم قرار فهذا مقام الأولياء الكمل فمن اتخذ هذه الطريقة سبيلا نال مراده ووصل إلى مقام فؤاده
176
وتخلص من الخزي الذي هو عمى القلب عن مشاهدة الحق والعمه في تيه الباطل في الدنيا والآخرة ، قال في "المثنوي" :
جزء : 1 رقم الصفحة : 174
أصل صد يوسف جمال ذو الجلال
أي كم أززن شو فداي آن جمالأصل بيند ديده ون اكمل بود
فرع بيند ونكه مرادا حول بودسرمه توحيد از كحال حال
يافته رسته زعلت واعتلال
ولا بد من العشق في طريق الحق وحكي أن عجوزا أحضرت السوق قطعة غزل وقالت : اكتبوني من مشتري يوسف حتى يوجد اسمي في دفتر العشاق اللهم لا تحجبنا عن جمالك وعنك واجعلنا من الفائزين بنوال وصالك منك.
جزء : 1 رقم الصفحة : 174