تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وإذ قتلتم نفسا﴾ هذا مؤخر لفظا مقدم معنى لأنه أول القصة أي : وإذ قتلتم نفسا وأتيتم موسى وسألتموه أن يدعو الله تعالى فقال موسى : إن الله يأمركم الآيات ولم يقدم لفظا لأن الغرض إنما هو ذبح البقرة للكشف عن القاتل وأضيف القتل إلى اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لرضاهم بفعل أولئك وخوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم والقتل نقض البنية الذي بوجوده تنتفي الحياة والمعنى واذكروا يا بني إسرائيل وقت قتل أسلافكم نفسا محرمة وهي عاميل بن شراحيل ﴿فادارءاتم فيها﴾ أصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع أي : تدافعتم وتخاصمتم في شأنها إذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر أي : يدفع الفعل عن نفسه ويحيل على غيره ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ أي : مظهر لا محالة ما كنتم وسترتم من أمر القتل لا يتركه مكتوما مستورا.

فإن قلت كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضي.

قلت : قد حكى ما كان مستقبلا في وقت التدارؤء كما حكى الحاضر في قوله : ﴿باسط ذراعيه﴾ (الكهف : 18).

جزء : 1 رقم الصفحة : 162

﴿فقلنا﴾ عطف على فادارأتم وما بينهما اعتراض ﴿اضربوه﴾ أي : النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان ﴿ببعضها﴾ أي : ببعض البقرة أي : بعض كان أو بلسانها لأنه آلة الكلام أو بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق أو بغير ذلك من الأعضاء والبعض أقل من النصف والمعنى فضربوه فحيي فحذف ذلك لدلالة قوله : ﴿كذالك يحى الله الموتى﴾ روي أنه لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دما وقال : قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتا فأخذا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك ثم إن موسى عليه السلام أمرهم بضربه ببعضها وما ضربه بنفسه نفيا للتهمة كيلا ينسب إلى السحر أو الحيلة ﴿كذالك﴾ على إرادة القول أي : فضربوه فحيي وقلنا كذلك فالخطاب في كذلك للحاضرين عند حياة القتيل أي : مثل ذلك الإحياء العجيب ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ يوم القيامة.

فإن قلت إن بني إسرائيل كانوا مقرين بالبعث فما معنى إلزامهم بقوله : ﴿كذالك يحى الله الموتى﴾ .

قلت : كانوا مقرين قولا وتقليدا فثبته عيانا وإيقانا وهو كقول إبراهيم عليه السلام : ﴿ولاكن ليطماان قلبى﴾ (البقرة : 260) ويجوز أن يكون الخطاب لمنكري البعث في زمان النبي عليه السلام والحاضرين عند نزول الآية الكريمة فلا حاجة حينئذ إلى تقدير القول بل تنتهي الحكاية عند قوله تعالى ببعضها : ﴿ويريكم ءاياته﴾ دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير ﴿لعلكم تعقلون﴾ يقال : عقلت نفسي عن كذا أي : منعتها منه أي : لكي تكمل عقولكم وتعلموا أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها وتمنعوا نفوسكم من هواها وتطيعوا الله فيما يأمركم به ولعل الحكمة في اشتراط ما اشترط في الإحياء من ذبح البقرة وضربه ببعضها مع ظهور كمال قدرته

162

على إحيائه ابتداء بلا واسطة أصلا لاشتماله على التقرب إلى الله تعالى وأداء الواجب ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة والتنبيه على بركة التوكل على الله تعالى والشفقة على الأولاد ونفع بر الوالد وأن من حق الطالب أن يقدم قربة ومن حق المتقرب أن يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه كما يروى عن عمر رضي الله عنه أنه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار وأن المؤثر هو الله تعالى وإنما الأسباب أمارات لا تأثيرها لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن يتولد منها حياة وأن من رام أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي قوته الشهوية حين زال عنها شره الصبا ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة في طلب الدنيا مسلمة من دنسها لاشية بها من قبائحها بحيث يتصل أثره إلى نفسه فيحيا به حياة طيبة ويعرف ما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤء والجدال.

قال بعض أهل المعرفة في قوله :

جزء : 1 رقم الصفحة : 162

﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذالك يحى الله الموتى﴾ إنما جعل الله إحياء المقتول في ذبح البقرة تنبيها لعبيده أن من أراد منهم إحياء قلبه لم يتأت له إلا بإماتة نفسه فمن أماتها بأنواع الرياضات أحيا الله قلبه بأنوار المشاهدات فمن مات بالطبيعة يحيا بالحقيقة وكما أن لسان البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل وقام بإذن الله وقال : قتلني فلان فكذلك من ضرب لسان النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيى الله قلبه بنوره فيقول وما أبرىء نفسي أن النفس لأمارة بالسوء ، قال السعدي :

نميتازد أين نفس سركش نان

كه عقلش تواند كرفتن عنان

تو بر كره توسني در كمر

نكر تانيد زحكم توسر

اكرالهنك از كفت دركسيخت

تن خويشتن كشت وخون توريخت

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ١٢٩