وأسمعوه ذلك الصوت على سبيل علاج الضد بالضد (1) فكان يحصل النفع البيّن في هذا الباب.
* الطريق الثالث في هذا الباب أن الحيوانات العجم (2) ليس لها عقل يدعوها إلى فعل الحسن أو يمنعها من القبيح،
بل افعالها لا تحصل إلا على وفق أمزجتها، ومقتضى طبائعها، وأخلاقها الفطرية، فلا جرم فعل كل حيوان يدل على خلقه الباطن، ثم إن عرفنا أن الخلق الباطن، والخلق الظاهر معلوم، بان المزاج الأصلى، فإذا رأينا إنسانا يشابه حيوانا في أمر من الأحوال الظاهرة فحينئذ نستدل بتلك المشابهة في الخلق الباطن استدلالا بحصول أحد المعلولين على حصول المعلول الثاني.
فإن قيل: إنه يمتنع كون الإنسان مشابها لذلك الحيوان من كل الوجوه، بل لا بد من حصول المخالفة بين الإنسان وبين تلك البهيمة في أغلب الصفات وأكثر الأحوال، فلم كان الاستدلال بحصول المشاركة بينهما في تلك الصفة الواحدة على حصول المشاركة بينهما في الخلق الباطن أولى من الاستدلال بحصول المخالفة بينهما في أكثر الصفات والأحوال على حصول المخالفة بينهما في ذلك الخلق الباطن؟! فالجواب عنه من وجهين:
الأول - أن إلحاق الشيء بشبهه مقدمة مقبولة عند الجميع؛ ولهذا السبب قيل: الجنسية علّة الضم (3)، ولذلك إذا وقعت صورة
(1) وقد قالوا: فداونى بالتي كانت هي الداء!
(2) غير الناطقة.
(3) (الجنسية): نسبة إلى الجنس، و(الجنس): الأصل والنوع (وفى اصطلاح المنطقيين): ما يدل على كثيرين مختلفين بالأنواع، فهو أعم -- والإنسان ينتميان إلى جنس واحد فنضم أحدهما إلى الآخر ونلحقه به ونقيسه عليه فيما يشبهه فيه من الصفات.