تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عناية الله بمحمد ﷺ

ولنعيش مع حبيب القلوب، وقرة العيون، وبهجة النفوس ﷺ، وذلك أنه حين قرر كفار مكة في بيت الندوة اغتياله ﷺ، وأرسلوا شبابًا معهم سيوف حادة قاطعة تقتل كل من رأت، وشحذوها بالسم، وأخذ كل شاب معه هذا السيف يهزه كأنه نعجة أو هزبر، ووقفوا عند بابه ﷺ ينتظرون متى يخرج، وظنوا أن إهراق دمه ﷺ أمر هين، ويخبره الله في المنام بأن كفار قريش قد طوقوا البيت، ونصبوا كمينًا لاغتيالك فاخرج، ولكن ما خرج كأي رجل يخاف ويرتعد، بل خرج مستعليًا ظاهرًا شجاعًاَ منتصرًا، وأخذ حفنة من التراب يحثوهم على رءوسهم، هذه الثلة من الشباب الذين خرجوا لاستقباله ﷺ.

فلما خرج وتوجه ﷺ إلى الغار ودخله، خرج كفار مكة كأنهم مجانين، كأن كل إنسان سرق غنمه محمد ﷺ أو سرق ناقته، خرجوا بالسيوف يطاردونه لكي يخرج من مكة، انظر إلى هذه العقول السخيفة الضالة الضائعة، لماذا ما تركوه يخرج؟ وهذا من العجب! ألم يقولوا: لا نريد أن يبقى معنا؟ إذًا يخرج، والآن هم يطاردونه، فخرجوا واجتمعوا على الغار الذي كان فيه ﷺ، يا ألله! من يحميه غير الله عز وجل؟ وأبو بكر معه خائف عليه ولم يكن معه سيف، وإلا فسيقاتل رضي الله عنه، والقضية ليست هي قضية قتال؟ هؤلاء مغتالون سفاكون لو رأوه لمدوا أيديهم بسيوفهم.

فقال ﷺ: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] انظروا عقيدته ﷺ.

ومن اللطائف يقولون أنه قيل: أتت العنكبوت فبنت عشها عند الباب وأتت الحمامة فضربت بيتها:

ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحمِ

عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطم

وخرج ﷺ.

وأتت المحاولة الثالثة لاغتياله وهي محاولة سراقة فإنه لما رآه في الصحراء انطلق بفرسه وسيفه ليدرك الجائزة، وليقبض على محمد ﷺ، ولكن خرجت كلمة خافتة ساكنة من الرسول ﷺ يرفعها إلى الله: ﴿اللهم اكفناه بما شئت﴾ هكذا بلا تكلف، وبلا محاضرة، وبلا خطب، وإنما دعاء خفي إلى مولاه، فكفاه الله، وغاصت قدما الفرس ويداه في الأرض حتى سقط.

وانتصر محمد ﷺ بعد الاغتيالات والمعاناة، وبعد ما تعرض ﷺ للكرب العظيمة التي ما تعرض لها إنسانٌ أبدًا، فالنصر والتأييد من رعاية الله سبحانه وتعالى.

دروس الشيخ عائض القرني · الجزء ٩٠ · الصفحة ٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ عائض القرنيج ٩٠ · ص ٨