تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذم الجبن

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد:

أصحاب الفضيلة، يا شباب الصحوة، أيها الأخيار الأبرار: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

اللقاء يتجدد، والحب يزيد، والصلة تنمو، والمقصد الله فهو يعلم ما نريد.

عنوان هذا الدرس: كيف تكون جبانًا؟ وما هي الطرق التي تساعدك على أن تكون جبانًا مع التعلم والممارسة ومع التدرب هذا هو ملخص ما أريد أن أقوله.

سأل الرسول عليه الصلاة والسلام ربه أنه يعيذه من الجبن، فقال ﷺ: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال﴾ واستعاذ الصالحون من الجبن، وقد عدته العرب جريمة كبرى وسيئة في الرجل، ومن أعظم مميزاته وأعطياته ﷺ لهذه الأمة المحمدية أنه أخرجهم شجعانًا، يقول المتنبي في الشجاعة:

أطاعن خيلًا من فوارسها الدهر وحيدًا وما قولي كذا ومعي الصبر

وأشجع مني كل يوم سلامتي وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر

تمرست بالآفات حتى تركتها تقول أمات الموت أم ذعر الذعر

وأقدمت إقدام الأبي كأن لي سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر

إلى آخر ما قال.

ولكن أقصد في هذه المحاضرة مقاصد تهم المسلم، وهي من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ، والتوحيد الذي أتى به رسولنا عليه الصلاة والسلام عدو للجبن والخوف من غير الله سبحانه وتعالى، والجبناء يموتون في اليوم مرات والشجاع يموت في عمره مرة واحدة، والجبان يتوهم كل شيء ضده، والشجاع يتصور أنه ضد كل شيء إلا كتاب الله وسنة النبي ﷺ وما والاهما.

ولقد سطر أبو بكر الصديق كلمة رائدة حفظها الناس وتكلم عنها المفكرون حتى الغربيون منهم، وهي قوله للصحابة: [[اطلبوا الموت توهب لكم الحياة]] فإن من طلب الموت وهب الله له حياة سعيدة هنية، فيعيش منشرح الصدر، وقال ابن القيم في أسباب انشراح الصدر في زاد المعاد: ومنها الشجاعة وسعة صدر الشجاع، فإن الله يشرح صدره بشجاعته وإقدامه.

وهذا أمر معلوم، فإن الهم والذلة وحقارة الحال والهلع والجزع تأتي مع الجبن، وإن السعادة والانشراح والضحك والبسمة تأتي مع الشجاعة والإقدام، وفرض الرأي، وقول كلمة الحق التي علمها رسول الله ﷺ أصحابه، قال عبادة في الصحيحين: ﴿با يعنا رسول الله ﷺ ونحن عصابة حوله أن نقول الحق ولا نخشى في الله لومة لائم﴾ وعند ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: [[أخذ عليَّ رسول الله ﷺ أن أقول الحق ولو كان مرًا]] والحق مرٌّ قد يذهب بالنفوس ويطير بالرءوس، لكن لأن الحق في الأرض لا يقوم إلا على قطع الرءوس وإذابة النفوس؛ وجب أن يكون هناك شجاعة إيمانية يحملها رواد محمد عليه الصلاة السلام.

ولما قام مسيلمة الكذاب في اليمامة، وادعى النبوة؛ زج أبو بكر الصديق بشباب من شباب محمد عليه الصلاة والسلام في وجهه وقال: [[والذي نفسي بيده لأقاتلنه بقوم يحبون الموت كما يحب الحياة]] وقالها عمر لأهل فارس، وقالها كثير غيره فرضوان الله عليهم، وقال أبو بكر الصديق على المنبر: [[والذي نفسي بيده لأرسلن لهم خالدًا يذهب وساوس الشياطين من رءوسهم]].

دروس الشيخ عائض القرني · الجزء ٦٤ · الصفحة ٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ عائض القرنيج ٦٤ · ص ٢