تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

موقف الصحابة من موته ﷺ

وأتى رسول الله ﷺ الموت، وبقي جثمانه الشريف في غرفة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ولكن ماهو حال الصحابة؟

فدًا لك من يقصر عن فداك فلا ملك إذًا إلا فداكا

أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا

إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى

وقف الصحابة في موقف لا يعلمه إلا الله، وفي دهشة لا يعلمها إلا الحي القيوم، كلهم يكذب الخبر، ولا يصدق إلا من أتاه اليقين

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

حتى إذا لم يدع لي صدقه أملًا شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

وقفوا حول مسجده ﷺ، وأغلق بابه الشريف على جثمانه، وبقيت عائشة رضي الله عنها وأرضاها تبكي مع النساء، أما السكك فقد امتلأت بالبكاء والعويل والنحيب، وأما عمر رضي الله عنه وأرضاه فوقف عند المنبر يسل سيف الإخلاص والصدق الذي نصر به دين الله، ويقول: يا أيها الناس: من كان يظن أن رسول الله قد مات، ضربت عنقه بهذا السيف.

ولكن البكاء غلب والنحيب والعويل زاد، أما أبو بكر فكان غائبًا في ضاحية من ضواحي المدينة في مزرعته، ما يظن أن رسول الله ﷺ يتوفى في ذلك اليوم، بأبي هو وأمي! فسمع الخبر فأتى على فرسه، وقد ثبته الله يوم أن يثبت أهل طاعته، وقد سدده الله يوم أن يسدد أهل التوحيد.

فأتى بسكينة ووقار، كان رجل المواقف، ورجل الساعة، وكان اختياره ﷺ موفقًا في إمامة أبي بكر، فأتى وإذا الناس لا يزدادون من البكاء إلا بكاء، ولا من العويل إلا عويلًا، ولا من النحيب إلا نحيبًا، فقال: ماذا حدث؟ قالوا: توفي رسول الله ﷺ، مات رسول الله، أتدرون ماذا قال؟

قال: الله المستعان! الله المستعان نلقى بها الله، والله المستعان نعيش بها لله، والله المستعان نتقبل بها أقدار الله، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! إنها كلمة الصابرين حين يصابون بصدمات في الحياة، إنها كلمة الأخيار حينما تحل بهم الكوارث من أقدار الله وقضاء الله.

ثم دخل وشق الصفوف في سكينة على فرس له، وبيده عصا، ويشق الصفوف بسكينة ووقار، حتى وصل إلى البيت ففتح الباب، ثم أتى إليه ﷺ، فكشف الغطاء عن وجهه، ثم قبله وبكى ودمعت عيناه الشريفتان على وجه الرسول ﷺ، ثم قال: [[بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما أطيبك حيًا وما أطيبك ميتًا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد ذقتها، ولكن والله لا تموت بعدها أبدًا، والله لا تموت بعدها أبدًا، والله لا تموت بعدها أبدا ً].

ثم خرج رضي الله عنه وأرضاه إلى الناس وعصاه بيده، فأسكتهم، وقال لـ عمر: يـ ابن الخطاب! اسكت، فلما سكت الناس، وهم ينظرون إلى القائد الجديد الملهم، إلى هذا الإمام الموفق، إلى هذا الخليفة الراشد، وهو يتخطى الصفوف حتى صعد المنبر، فيستفتح خطابه بحمد الله والثناء على الله، فالمنة لله والحمد لله، والأمر لله من قبل ومن بعد، ثم يقول: [[يا أيها الناس! من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]]] فكأن الناس سمعوها لأول مرة، وكأنها ما مرت على أذهانهم، ثم عاد رضي الله عنه وأرضاه.

أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد أصيبوا بمصيبة في الصميم

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

ثوى طاهر الأدران لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر

عاد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كلهم يتلمح مصلاه ﷺ، كلهم ينظر إلى ممشاه وإلى مجلسه وإلى ذكريات كلامه، فما أصبح يرى ذاك الرسول ﷺ، وما أصبح يعيش تلك الأيام، يقول جابر كما صح عنه: [[ما دفنَّا رسول الله ﷺ ونفضنا أيدينا من تراب قبره حتى أنكرنا قلوبنا]]

وأورد صاحب مجمع الزوائد عن عثمان رضي الله عنه وأرضاه، [[أن p=١٠٠٠٠٢٩> عمر مر به فسلم عليه بعد وفاة الرسول ﷺ، فلم يرد عليه السلام، فذهب عمر إلى أبي بكر فاشتكى عثمان وقال: سلمت عليه فلم يرد علي السلام، فاستدعاه أبو بكر، وقال: يا عثمان! سلَّم عليك أخوك عمر فلم ترد عليه السلام، فقال: يا خليفة رسول الله! والله ما علمت أنه سلَّم علي قال: لعلك داخلك ذهول أو دهش من وفاته ﷺ قال: إي والله، فجلسوا يبكون]].

وفي الصحيحين من حديث أنس قال: قال أبو بكر لـ عمر رضي الله عنه وأرضاه: يا عمر! اذهب بنا إلى أم أيمن -هذا بعد وفاة رسول الله، وهي مولاة كانت مرضعة لرسول الله ﷺ، عجوز مسنة كان يزورها ﷺ في حياته- قال: اذهب بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان ﷺ يزورها يا للتواضع! يا للتمسك بالسنة! يا للحرص على الأثر! فذهبا رضوان الله عليهما، فلما وصلا إلى أم أيمن بكت، فقالا: ما يبكيك يا أم أيمن؟

قالت: أبكي على رسول الله ﷺ قالا: أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ؟

قالت: والله إني أعلم ذلك، ولكن أبكي على أن الوحي انقطع من السماء.

فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان رضوان الله عليهما.

دروس الشيخ عائض القرني · الجزء ٣٠٤ · الصفحة ٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ عائض القرنيج ٣٠٤ · ص ٨