التهيؤ لفتح مكة
لما انتهى ﷺ من التحقيق مع هذا الصحابي الجليل عذره وعفا عنه، وأمر ﷺ أصحابه أن يتهيئوا، فكانوا عشر كتائب: سعد بن هُذَيْم، وجُهَيْنة، وأسد، ومُزَيْنة، وأشجع، وغِفار، وأسلم، ومَن لَفَّ لفَّهُم، والأنصار في كتيبة، والمهاجرون في كتيبة.
ومضوا رضوان الله عليهم وأرضاهم والرسول ﷺ قائدهم، وقد أنزل عليه من ذي قبل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] فقالوا: أي فتح يا رسول الله؟ فأخبرهم أنه فتح خيبر، ثم فتح مكة.
وتحرك عليه الصلاة والسلام هو والجيش وكان في رمضان، فلما بلغ الكديد شق الصيام على الناس، وكانوا ما يقارب عشرة آلاف، فدعا بالإفطار، فأفطر ﷺ وأعلن الإفطار في الناس، فأفطروا جميعًا إلا بعض الناس أبوا أن يفطروا، وتحرجوا وتأثموا.
يا سبحان الله! أتقى الخلق لربه، وأخشاهم لمولاه، رسول الله ﷺ يفطر في رمضان، وهم يتحرجون؟! فلما سمع ﷺ أنهم لم يفطروا قال: ﴿أولئك العصاة، أولئك العصاة، أولئك العصاة﴾ وهذا في صحيح مسلم.
فلما بلغوا مَرَّ الظهران قال أنس: ﴿فنزلنا، فأتى ﷺ في منزل، فمَرَّت أرْنَبَة، فأنفجناها -أي: طاردناها- ففرت فصدتُها، فأتيت بها أبا طلحة، الفار المشهور، فذبحها وطبخها، وأهدى وِركها لرسول البشرية ﷺ فقَبِلَه وأكله﴾.
وهذه من الأحداث التي حدثت في الطريق، يرويها ابن كثير وابن حجر، متابَعةً لوقائع انتقال الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة.
ونزل ﷺ قبل الظهر، فوجد الأراك وعليه ثمرٌ أحمر، فبدأ يأكل ﷺ منه، فلما رآه الصحابة نزلوا يأكلون معه مشاركة له؛ لأنهم إذا رأوه في أمر شاركوه فيه من الحب ومن التوقير والاحتشام، فقال: ﴿عليكم بالأسود من الكُباث -أي: من الثَمَر- فتبسم الصحابة، وقالوا: كأنك رعيت الغنم يا رسول الله قال: نعم رعيتها.
وما من نبي إلا رعى الغنم.
﴾ لأنه لا يعرف الثمر الأسود من الأحمر من الجيد من الكُباث إلا من رعى الغنم، فأخبرهم بذلك.
وصل عليه الصلاة والسلام إلى مشارف مكة، وما أتى قريشًا؛ لأنه دعا عليهم أن يأخذ الله أبصارهم وأسماعهم، فلا يأتيهم أي خبر، فما علموا أبدًا أنه تحرك بجيش، وهذا خلاف ما أقره العقلاء - باستقراء من أحوال الأمم - أن الجيوش العظيمة إذا تحركت من مكان إلى مكان لا بد أن يأتي خبر، من التجار والرعاة، والمسافرين، والمتنقلين، والأعداء، ومن الجواسيس؛ لكن هؤلاء ما أتاهم أي خبر، وهم في مكة.