تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غزوة تبوك والتهيُّؤ لها

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعد: تجهز ﷺ لغزوة تبوك - وغزوة تبوك كانت في حرارة الصيف، وفي شدة الحر وفي وهج الشمس- فخرج إليها ﷺ، ونادى في الناس، فخرج معه ما يقارب الثلاثين ألفًا من أصحابه رضوان الله عليهم، وقبل المعركة أراد ﷺ أن يجهز الجيش، فما وجد عليه الصلاة والسلام مالًا، فصعد المنبر ودعا إلى التبرع ورغب في البذل والعطاء: ﴿من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ فوقف عثمان بن عفان وقال: أنا يا رسول الله، فدمعت عيناه ﷺ وقال: اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راضٍ، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾ أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وخرج ﷺ، ولكن لما خرج في حرارة الصيف نظر بعض الصحابة فرأوا أن الثمار قد دنت في المدينة ورأوا أن الراحة في البيوت أحسن من الحر فجلسوا.

والذين تخلفوا عن الغزوة ثلاثة وثمانون رجلًا، لم يسجلهم ﷺ في كتاب، ولم يكتبهم في ديوان، أما ثمانون فكذبوا على الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] والرسول عليه الصلاة والسلام كان يمشي مع أصحابه مشيًا على الأقدام، في حرارة الصيف، وفي ظمأ ونصب وجوع، ومشقة لا يعلمها إلا الله.

ثم جاء الجد بن قيس أحد المنافقين، فقال: ﴿يا رسول الله! ائذن لي ألا أخرج معك إلى تبوك، قال: ولماذا؟ قال: أنا رجلٌ مفتون، فإذا رأيت بنات بني الأصفر افتتنتُ﴾ أي: بنات الروم، وهو كذب على الله، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] وقال المنافقون يوصي بعضهم بعضًا: ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١] اطلبوا من الرسول ﷺ أن يتأخر، لا تنفروا في الحر، فرد الله عليهم: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة:٨١].

فخرج عليه الصلاة والسلام، وكان كعب بن مالك صادق الإيمان لكنه تخلف.

يقول عن نفسه: قلت: أتهيأ غدًا وألحق بالرسول ﷺ، وهذه خطيئة ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠] كيف يخرج رسول الهدى عليه الصلاة والسلام ويتخلف هؤلاء؟! هذا خطأ لا يقر.

فتخلف رضي الله عنه، يقول: أتهيأ غدًا، وذهب ﷺ فلما أصبح في الصحراء، يقول: فقمت غدًا لأتهيأ فثبَّطني الشيطان فجلست، ومشى عليه الصلاة والسلام حتى اقترب من تبوك فنزل في الجيش وهو ما يقارب الثلاثين ألفًا، ولما نزل قبل تبوك نزل عند شجر بجيشه العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي أثناء الجلوس قال للصحابة: أين كعب بن مالك؟ -لم يذكره ﷺ إلا عند تبوك - فقال رجلٌ من بني سلمة -من قرابة كعب بن مالك؛ يا رسول الله! حبسه برداه ونظره في عطفيه، فانبرى له معاذ رضي الله عنه وأرضاه سيد العلماء الذي يأتي أمامهم يوم القيامة برتوة- فقال: لا والله ما قلت خيرًا، والله ما علمنا فيه إلا خيرًا، والله ما علمناه إلا صادقًا مجاهدًا، فسكت عليه الصلاة والسلام ولم يعلق على الحادث.

وبينما الرسول ﷺ جالس تحت الشجر وإذا برجلٍ أقبل كالصقر على ناقة، فقال ﷺ: كن أبا خيثمة، فاقترب الرجل فإذا هو أبو خيثمة -وهو أحد المجاهدين الكبار في الإسلام- وسأل ﷺ فقال: أين أبو ذر؟ قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيرًا يلحق بنا﴾.

وأبو ذر مسكين فقير، يحشر يوم القيامة مع عيسى بن مريم، زاهد ليس عنده إلا جمل قحل هزيل، أتى بهذا الجمل فركبه فرفض الجمل أن يقوم وبرك على الأرض، فأخذ أبو ذر متاعه على كتفه ومشى في الأرض ليلحق بالرسول ﷺ، وبينما هم جلوس وإذا بـ أبي ذر يطل عليهم ويمشي في آخر الصحراء فقال عليه الصلاة والسلام: كن أبا ذر، فاقترب فإذا هو أبو ذر، قال: رحمك الله يا أبا ذر! تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك.

وانتهى ﷺ من الغزوة، لكن كعب بن مالك واثنان معه: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وهؤلاء الثلاثة صدقوا لكن تخلفوا بلا عذر، أخذتهم من الهموم والغموم ما لا يعلمه إلا الله، قال كعب: ﴿فكنت في غياب الرسول عليه الصلاة والسلام أخرج في الأسواق فلا أرى إلا منافقًا، أو شيخًا كبيرًا عذره الله أو طفلًا أو امرأة، فأزداد همًا إلى همي، قال: وسمعت أن الرسول ﷺ أقبل من تبوك إلى المدينة﴾ الآن يتهيأ بحجج، وبراهين، ماذا يقول للرسول ﷺ؟ وكيف يتكلم معه؟ وما هو عذره؟ إن كذب فسوف يكذبه الله من السماء بالوحي، وإن صدق فسوف يهلك، في الأخير قال: لما أقبل الرسول ﷺ حضرني بَثِّي -ما معنى بَثِّي؟ البث: أشد الحزن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]- قال: حضرني بَثِّي وغمي وعلمت أني لا أخرج من غضب الله ولا من غضب رسول الله ﷺ إلا بالصدق، قال: فلما نزل ﷺ المدينة بالجيش توضأ وبدأ بالمسجد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، فصلى ركعتين، ثم جلس للناس يفتيهم ويأخذ أخبارهم ويستقبلهم ويسلمون عليه ويرحبون به لأنه غاب عليه الصلاة والسلام ما يقارب شهرًا أو أكثر، فصلى عليه الصلاة والسلام ركعتين ثم جلس.

دروس الشيخ عائض القرني · الجزء ١٩٩ · الصفحة ٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ عائض القرنيج ١٩٩ · ص ٢