تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تفسير قوله تعالى: (أولئك على هدىً من ربهم)

قال سبحانه وتعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] من هم؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] فقال: (على هدى) ولم يقل: في هدى؛ لأن (على) هنا أبلغ، أي: على طريق من الهدى وعلى واضحة وجادة، ولو قال: في هدى؛ لشمل أن بعضهم في هدى وبعضهم في ضلال، ولو قال: إلى هدى؛ لما وصلوا إلى الهدى؛ لأن الذي يمشي إلى الشيء ما كأنه وصله، فأنت تقول: مشيت إلى السارية أو إلى الكعبة، فكأنك ما وصلت، فلو قال: إلى هدى، لاحتمل أنهم يهتدون أو لا يهتدون، ولكنه قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً﴾ [البقرة:٥] أي: وصلوا إلى الهدى، وتكنفتهم الهدى فكلامهم هدى، وفعلهم هدى، وحركاتهم هدى، وكل شيء يصدر منهم هدى.

والذي لا يفعل هذه الأمور فالهدى عنده قليل فإذا كتب في صحيفة تراه ضالًا، وإذا ألقى قصيدة فهو ضال، وإذا باع واشترى فهو ضال، وإذا تكلم فهو ضال؛ لأنه ليس له نور، ومن أين يأتي النور إلا من الله؟! ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] فالناس لا يعطون النور، والعلم وحده لا يعطيك النور، والثقافة وحدها لا تعطيك النور، إنما يعطيك النور الذي أنزل النور والذي خلق النور: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] لأنه على ظلمة، وقال سبحانه وتعالى في المنافقين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣] يقول: ليس عندكم نور، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] لم يقل في الآية: يخادعون الله وهو يخادعهم؛ لأنه لو خادعهم لم تأت نتيجة الخداع؛ بل قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] أي: أوقع بهم الخداع وكيف يخدعهم الله سبحانه وتعالى؟ قيل: يضيء للمنافقين نورًا يوم القيامة.

ثم انطفا نور المنافقينا ووقفوا إذ ذاك حائرينا

لأنهم بالوحي ما استضاءوا فكذبوا فذا لهم جزاء

يضاء لهم النور فيرون الصراط، ويرون جهنم في ظلمة لا يعلمها إلا الله، فإذا توسطوا على الصراط انطفأ النور فعثروا فوقعوا على وجوههم فهذا هو الخداع: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة:٩] لأنهم يصلون مع الناس وهم لا يريدون الصلاة، ويقرءون القرآن وهم لا يريدون القرآن، فظاهرهم فيه الرحمة وباطنهم من قبلهم العذاب، وهم من أجوف الناس: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] والخشبة داخلها خواء، ويقول: (مسندة) لأنها لا تعتمد على نفسها لكنك تسندها على الجدار، فهؤلاء هم المنافقون، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧] ولم يقل: ذهب بإضاءتهم، مع أن الأصل في غير القرآن أن يقال: فلما أضاءت ما حولهم ذهب الله بإضاءتهم.

لكن ترك الفعل وأتى بالمصدر من نوع آخر فقال: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧] قالوا: لأنه لو قال: ذهب بإضاءتهم؛ لاحتمل أنه بقي لهم جذوة أو شيء من النور، لكنه لم يبق لهم شيء فقال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧].

قال سبحانه وتعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] أي: أنهم يعيشون في هدى وفي اطمئنان، ولذلك لا يحفظك على الهدى إلا هذا العمل، لا تظن أن لك حافظًا غير الله فإنه لا يمكن أن يعصمك من الفواحش إلا الله أما غيره سبحانه وتعالى فلا يستطيع؛ لأن الله عز وجل يقول ليوسف لما كان مهتديًا: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] أي: لما كان مهتديًا صرفنا عنه السوء والفحشاء، فلا يصرف عنك السوء والفحشاء إلا الله.

والله تعالى قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] ولم يقل: (هدى) ويسكت؛ لأن (هدى) كثيرة، وهي مشتقة، فمنهم من يهديه الشيطان: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥] يقول: الذي يهديك إلى الصواب خير من الصنم الذي لا يهدي إلى الحق إلا أن يهدى هو.

وبعض الناس يهدي إلى الضلالة، فلذلك: الهدى من الله؛ لأن بعضهم يقول: أنه مهتد وهو ضال، أي هداه إبليس، وقد قيل لـ ابن عمر: [[إن المختار بن عبيد الله الثقفي -هذا الدجال الكاذب الخائن الساحر، الذي ادعى النبوة- يزعم أنه يوحى إليه.

فقال ابن عمر: صدق، إنه وحي من الشيطان ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢] وليس وحيًا من الرحمن]].

فقال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] ولم يقل: من الله لماذا؟ ليذكرهم النعمة، نعمة الهداية والفطرة والحياة، أي: من ربهم الذي رباهم، لأنهم مقرون بالله، وقد سبق أن قرر التوحيد، فأتى هنا بلفظ (الرب) والله إذا ذكر الجميل ذكر الربوبية، وإذا ذكر التفرد ذكر الألوهية سبحانه وتعالى.

دروس الشيخ عائض القرني · الجزء ١٥٥ · الصفحة ١٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ عائض القرنيج ١٥٥ · ص ١٨