وقفات مع أدلة الباب
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.
كان العرب في الجاهلية إذا نزلوا منزلاً قالوا: نعوذ بعظيم , أو بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. كما حكاه ابن عباس.
والشاهد من الآية من وجهين:
1. أن الله ذكر هذا الفعل على سبيل الذم، لأنه من عمل أهل الجاهلية الذين أمرنا بمخالفتهم.
2. أنه حكاية الجن عن أنفسهم بعد أن أسلموا، وسمعوا القرآن من النبي - (1) فدل ذلك أن هذا من أعمالهم التي تابوا منها.
واختلف السلف في معنى قوله تعالى (فزادوهم رهقاً) على قولين:
1. زاد الجنُ الأنسَ رهقاً. والمعنى: أن الجن لما رأوا خوف الإنس زادوهم خوفاً سبب لهم رهق الأرواح , وربما الأبدان , فعوقب الإنس بنقيض قصدهم. ولعل هذا أقرب.
2. زاد الإنسُ الجنَ رهقاً، والمعنى أن الإنس باستعاذتهم بالجن زادوهم استكباراً وإثماً.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: وكلا المعنيين حق , فإذا تعوذ الإنسان من الجن فهو تعظيم للجن , ويزاد الجن طغيان , وتكبر , ويقابله خوف الأنس من الجن.
وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ - رضي الله عنه - ا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - يَقُولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
تخريجه: رواه مسلم.
والشاهد: أن الاستعاذة عبادة , لأن النبي - أمر أن يستعاذ بكلمات الله , فتكون عبادة للأمر بها.
وفائدة إتيان المؤلف بهذا الحديث هنا ليدل الإنسان على الأمر الواجب عليه عند حصول المخوف , وهو الاستعاذة بالله وحده، فإن من استعاذ بالله أعاذه الله , وكفاه.
قوله (كلمات الله) كلمات الله نوعان:
1.كلمات شرعية: وهي الأوامر , والنواهي الشرعية , ومنها القرآن.
(1) الرسول - أُرسل إلى الثقلين , ولما كان يرى الأنس كان يغشاهم في مجالسهم , وأما الجن فشاء الله أن يصرفهم إليه , كما قال تعالى (وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن ... ).