تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[يوسف: 33] أي: الدعاء باسم الرب آداب الملائكة والأنبياء المرسلين، قال الله تعالى خبراً عن حملة العرش: إنهم يقولون:

﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾ [غافر: 7].

وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100] ﴿رَّبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 37] ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ [نوح: 21]، قال موسى ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي﴾ [الأعراف: 151] وقال شعيب: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 89] وعلَّم نبينا - صلوات الله وسلامه عليه - يدعوه باسم الرب قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً﴾ [آل عمران: 191].

وقيل: قال يوسف: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: 33] وقال الغافل: الدنيا أحب إليَّ ورضي بالحياة الدنيا، وقال الكافر: عبادة الصنم أحب إليّ ورضي بالحياة الدنيا ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وقال المؤمن: الرب أحب إليّ من نفسي وروحي ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ﴾ [البقرة: 165] وكلٌّ موكلٌ بمحبوبه، فللكافر صنمه ولصاحب الدنيا دنياه، وللمؤمن مولاه كما قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: 40].

وقيل: السجون ثلاثة: سجن يوسف، وسجن يونس، وسجن المؤمن.

* قال يوسف: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33] أي: من فراق الخليل، وعصيان الجليل، ومن مقاساة النيران، ومن سرابيل القطران.

* وأمَّا يونس: فلمَّا حبس أقر بالظلم على نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] ولما ذم نفسه فهو ممدوح، ولمَّا مدحه الله بقوله: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: 143] ليعلم أن من مدح نفسه فهو مذموم، ومن ذم نفسه فهو ممدوح، ولمَّا مدح إبليس نفسه فقال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: 12] ذمه الله تعالى بقوله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34] فلمَّا ذم آدم نفسه بقوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] مدحه الله تعالى ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: 122] وكذا الكفار مدحوا أنفسهم فقالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾ [الأنعام: 53] فذمهم الله بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6] ولمَّا ذم المؤمنون أنفسهم بقولهم: ﴿ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [الأعراف: 147] مدحهم الله تعالى بقوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: 112].

*وأما الدنيا فإنها سجن المؤمن وإن كان غنياً متنعماً فيها، فذلك بالإضافة إلى نعيم الجنة سجن وأن الكافر وإن كان فقيراً فذلك بالإضافة إلى عذاب الآخرة جنة.

وقيل: سميت الدنيا سجن المؤمن؛ لأن من سجن فإنه يقدم ما معه إلى بيته، والمؤمن ينبغي أن يقدم ما معه إلى داره وهي الآخرة.

* ولأن المسجون أبداً يلزم نفسه ويقول: مالي ولهذا العصيان، والمؤمن يقول: مالي وزخارف الدنيا وغرورها ومكرها.

* ولأن المسجون ممنوع من مراده ومقصوده كما شاء، فكذا المؤمن ممنوع عما يشاء ويهواه من أمانيه البطالة.

* ولأن المسجون يخاف كل ساعة أنه يخرج ويقام عليه الساسة، والمؤمن ممنوع عما يشاء ويهواه من أمانيه إلى القيامة ويقام عليه ما يستحقه.

التأويلات النجمية · الصفحة ٧٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ٧٧٣