﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الفتح: 1]، يشير إلى فتح باب قلبه صلى الله عليه وسلم إلى حضرة ربوبيته بتجلي صفات جماله وجلاله، وفتح ما انغلق على جميع القلوب، وتفصيل شرائع الإسلام، وغير ذلك من فتوحات قلبه؛ ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ﴾ [الفتح: 2]؛ أي: ليستر لك بأنوار جلاله ما تقدم من ذنب وجودك من بدء خلق روحك، وهو أول شيء تعلقت به القدرة، كما قال: " أول ما خلق الله روحي "، وفي رواية: " نوري ".
﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]؛ أي: من ذنب وجودك إلى الأبد، وذنب الوجود هو إلى الأبد، وذنب الوجود هو الشركة في الوجود وغفره ستره بنور الوحدة؛ لمحو آثار ظلمة الاثنينية، ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: 2]، وهي نور وحدانيته كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: 8]؛ ولهذا سماه الله نوراً بقوله: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15].
﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ [الفتح: 2]؛ أي: يهديك بجذبات ألطافه على صراط مستقيم عنايته إلى ذاته وصفاته، ﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ [الفتح: 3]؛ أي: ينصرك ببذل وجودك المجازي في وجوده العزيز الحقيقي.
﴿هُوَ ِالَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفتح: 4] من أنوار ولاية نبوته ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4] بتوجه قلوبهم إلى الإيمان بنبوته؛ ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح: 4]؛ أي: إيماناً بنبوته ﴿مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] بالله، والسكينة: ما يسكن إليه القلب من أنوار الإيمان والإيقان والعرفان بالدلائل والبرهان والعرفان بمشاهدة العيان، بل الاستغراق في بحر العين بلا أين ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: 4]؛ أي: كلها دالة على وحدانيته، وهي جنود الله بالنصرة لعباده بالظفر بمعرفته، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً﴾ [الفتح: 4] بمن هو أهل النصرة للمعرفة ﴿حَكِيماً﴾ [الفتح: 4] فيما حكم في الأزل لهم.
﴿لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الفتح: 5]؛ أي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الفتح: 1]؛ ليغفر لك الله وليدخل المؤمنين والمؤمنات بتبعيتك ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: 5] بستر ذنوبهم وبحطها عنهم، ويزكيهم عن أخلاقهم الذميمة كما فعل بك، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ﴾ [الفتح: 5]، لهم ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الفتح: 5]؛ إذ فازوا بالنعيم المقيم وجوار الله العظيم.