تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾ [النبأ: 21] وقال أبو العباس المغربي:

يا سائلَ القلبِ عمَّا كنت تأمن ... أما سمعتَ بذكرِ الموتِ والنَّارِ

ما لي أراكَ قد أذنبتَ مبتسماً ... واللهُ خوَّف من يعصيهِ بالنَّارِ

ما لنَا وأهل النارِ في تعبٍ كم ... من عذابٍ لأهل النَّارِ في النَّارِ

* والرابع: البكاء من هيبة الله وهو بكاء الأنبياء، وما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ [مريم: 58].

* والخامس: بكاء الشوق وهو لشعيب عليه السلام، حكي أنه بكى حتى أظلمت عيناه ثلاث مرات، وحكي أنه كانت لامرأة بنت صغيرة تبكي أبداً، فجاءت والدتها إلى الحسن البصري - رحمة الله عليه - فعرضت بنتها والتمست أن يحضرها، فجاء الحسن فقال لها: يا جارية إن لعينك عليك حقاً، قالت: إن عيني إن كانت تصلح لرؤية الله فألف مثلها في سبيله، وإن لم تكن أهلاً لذلك فدعها تعمى، فقام الحسن وقال: جئت واعظاً فوقعت بما أوعظ.

* والسادس: بكاء فوت الطاعة، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] وحكي أنه دخل رجل على فتح الموصلي وقال: يا شيخ كنت على بساط الأنس وفتح إلى طريق البسط، فتدللت وإليه فوقعت عمَّا كنت عليه فكيف السبيل إليه؟ قال: فبكى، قال: كلنا في هذا ولكن أنشدك أبياتاً سمعتها فبكيت عليها:

قف بالديارِ فهذه آثارهمُ ... تبكي الأحبةَ حسرةً وتشوقا

كم قد وقفتُ بها أسائلُ محبراً ... عن أهلها أو ناطقاً أو مشفقا

فأجابني داعي الهوى في رسمهَا ... فارقت من تهوى فعزَّ الملتقى

* والسابع: بكاء الحيلة، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: 16] فالإخوة كانوا يبكون احتيالاً شوقاً إلى الله، فشتان ما بين البكائين قوله تعالى: ﴿وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: 18] فحكي أنه لمَّا رأى يعقوب القميص قال: فلئن كان كما قلتم كان الذئب مشفقاً على القميص فلبسته أشفق على يوسف كما أشفق على القميص، فلئن كنتم صادقين فاذهبوا فخذوا الذئب وأتوني به، وكان يهوذا رجلاً إذا صاح على أسد سقط من هيبته، فأخذوا ذئباً ولوثوا مخالبه بالدم وأتوا يعقوب به مشدود اليد والرجل، فقال: خلوه فخلوه، فقال يعقوب: يا روبيل سله لم أكل يوسف، فسأله فلم يجبه، فقال يعقوب: لم لا تجيبه؟ فقال: يا نبي الله إن بنيك عقوك وعصوك، ونحن نُهينا أن نكلم العصاة، فقال: لم لا ترحم يوسف وفجعتني به؟ فقال: بعزة الله ما أكلت يوسف وإني مظلوم مكذوب علي، وأني غريب من بلاد مصر جئت لأهل قرابة لي ها هنا أنا لا أحوم حوم غنمك فكيف آكل ابنك؟ فقال يعقوب: فمن فعل؟ فقال: الله لا يتهك سر خلقه، فإنا لا أهتك سرهم، ولمَّا رأى يعقوب القميص صحيحاً مؤخراً غير مخرق رجا أن يكون يوسف حياً، فكذا حال المؤمن وإن تلوث بخطاياه فما دام لباس الإيمان صحيحاً فالرجاء باق.

التأويلات النجمية · الصفحة ٧٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ٧٦٧