تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخبر عن الهالكين في الغفلة وكمال الرحمة بقوله تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل للَّهِ﴾ [الأنعام: 12]، والإشارة فيهما أن ما في الكون سوى الله لا داع ولا مجيب، قل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني إياك، وناد لمن في السماوات والأرض؛ فلا تجد على الحقيقة مجيباً مكوناً من غير تكويني إياه، فقل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني القول فيك الله؛ أي: لله ما في السماوات والأرض حلقاً وملكاً ووجوداً وعدماً وإيجاداً واعداً، فهو الأول الكون والآخر والظاهر والباطن ﴿كَتَبَ﴾ [الأنعام: 12]، في أزليته ﴿عَلَى﴾ [الأنعام: 12]، ذمة كرم ﴿نَفْسِهِ﴾ [الأنعام: 12]، وحقيقة هيئته ﴿الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 12]، بخلقه ومكوناته ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ [الأنعام: 12]، بالإيجاد لإظهار الرحمة في الوجود المجازي ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام: 12]، الذي ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام: 12]، وهو يوم ظهور آثار الصفة القهارية لا يبقى فيه إلا الوجود الحقيقي، فأنادي بعزتي ولعظمتي ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 16]، فلا يكون مجيباً لا في الصورة ولا في المعنى غير واحديتي، فأجيب لذاتي بذاتي ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16].

ففي ذلك اليوم ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: 12]؛ أي: أفسدوا استعدادات أنفسهم لقبول الكمال في الدنيا، وذاقوا ألم خسرانهم في نقصانهم، ووجدوا عقوبة حرمانهم وخسرة خذلانهم ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 12]، بعد ﴿وَ﴾ قد شاهدوا على الحقيقة وعاينوا أن ﴿لَهُ مَا سَكَنَ فِي الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 13]؛ أي: من سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، ومن سكن في نهار الروحانية إلى المواهب الربانية؛ كانوا ملكاً له يظهر عليهم آثار صفات قهره ولطفه؛ فالمعنى: فإنهم يؤمنون ولكن يوم لا ينفع نفساً غيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ويظهر لهم في ذلك اليوم أن الله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الأنعام: 13]؛ أي: كان سميعاً لما يسخرون من الأنبياء والأولياء ويطعنون فيهم ويكذبونهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 13]، بما كانوا يعمرون ولا يظهرون من حيث عقائدهم، فجازهم به وهو السميع ثناؤه من سكن إليه العليم تعلق من اشتياق إليه.

ثم أخبر عن امتناع النبي من اتخاذ غير الله الولي بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: 14]، إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام: 16]، والإشارة فيها: أن قل أغير الله اتخذ اليوم ولياً؟! وقد اتخذني الله في أزليته حبيباً كما قال صلى الله عليه وسلم: " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ".

﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 14] أي: فاطر سماوات القلوب على محبته، وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ﴾ [الأنعام: 14]، أرواح العارفين من طعام المشاهدات، وليسقيهم شربات المكاشفات كقوله صلى الله عليه وسلم:

التأويلات النجمية · الصفحة ٤٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ٤٥٨