ثم وصى الله المؤمنين وقال تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 100]؛ يعني: علماء السوء متابعي الهوى ﴿يَرُدُّوكُم﴾ [آل عمران: 100]، عن طريق الهداية ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100]؛ أي: من بعد إيمانكم وطلبتم منهم طريق الحق فأضلوكم بسيرتكم وإتباعكم الهوى عن سبيل الله كما ﴿ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77] ثم في صيغة التعجب ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: 101]، بالله وكنتم أمواتاً ولا تؤمنون ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 101]، إن من خواص تلاوة آيات الله أن تزيد في إيمانكم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: 101]، ومن خاصيته أنه نور يهدي به الله كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائدة: 15]؛ يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم، ﴿وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15]؛ يعني: القرآن ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ [المائدة: 16]؛ يعني: يهدي الله بالرسول المؤمنين سبيلاً وهو السلام.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 101]؛ يعني: ومن كان اعتصامه وتمسكه بالله في كل الأحوال ولا يطلب إلا هو ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101]، إلى الله.
ثم أخبر عن الاعتصام بالله وهو تقوى الله بقوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ َاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]، إشارة في الآية ﴿َاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]؛ أي: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده، فإن وجودكم مجازي ووجوده حقيقي، وإن الدين الحقيقي الذي عند الله الإسلام؛ وهو أن يسلم العبد وجوده المجازي في ابتغاء الوجود الحقيقي نفياً للشركة وإثباتاً للوحدة، وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]؛ أي: لا ينتفي وجودكم المجازي إلا بتسليمكم للوجود الحقيقي فافهم جيداً.
ثم أخبر عن طريق التسليم الذي هو الدين القويم ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران: 103]، إشارة في الآية: إن أهل الاعتصام طائفتان:
أحدهما: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب؛ لأن مشربهم الأعمال.
والثانية: أهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب، لأن مشربهم الأحوال، فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ [الحج: 78]؛ أي: متصوركم ومقصودكم، وفيه معنى آخر؛ أي: ناصركم ومعينكم على الاعتصام وقال للمتعلقين بالأسباب الذين مشربهم الأعمال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران: 103]؛ وهو كل سبب يتوصل به إلى الله، فالمعتصم بحبل الله: هو المتقرب إلى الله بأعمال البر ووسائط القربة، والمعتصم بالله: هو الفاني عن نفسه الباقي بربه، ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: 103]؛ لأن ترك الاعتصام بأعمال البر ووسائط القرب موجب للتفرق في الظاهر والباطن.