الحكمة الغائية :
لقد خلط د. عمر في هذا المبحث خلطاً عجيباً يقتضي أنه لم يحرر المسألة؛ شأنه فيها كأكثر مباحث الكتاب؛ فقوله بداية التعليق أن الأشاعرة لم ينفوا اشتمالَ أفعالِ اللهِ على الحكمة بل نَفَوْا أن يكون ذلك واجباً على الله ليس هو موضع النزاع، وليس صحيحاً في نفسه، لأن الأشاعرة لم يثبتوا أصلاً أفعالاً لله حتى يثبتوا لها حكمة بل فعله عندهم مفعوله كما تقدم، وخلاصة الأمر أن يقال(1):
كل ما خلقه الله تعالى فله فيه حكمة، والحكمة تتضمن شيئين:
أحدهما: حكمة تعود إليه تعالى: يحبها ويرضاها.
والثاني: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمةٌ عليهم، يفرحون بها، ويلتذون بها، وهذا يكون في المأمورات وفي المخلوقات(2).
فهو ((سبحانه حكيم، لا يفعل شيئاً عبثاً ولا بغير معنًى ومصلحةٍ وحكمةٍ، هي الغايةُ المقصودةُ بالفعلِ، بل أفعالهُ سبحانه صادرةٌ عن حكمهٍ بالغةٍ لأجلها فَعَلَ، كما هي ناشئةٌ عن أسبابٍ بها فَعَلَ، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى))(3)، وقد ذكر ابن القيم بعضها(4).
وقد وقع الخلاف في مسألة تعليل أفعال الله على أقوال:
1- قول من نفى الحكمةَ وأنكر التعليلَ، وهؤلاء يقولون: إِن الله تعالى خلق المخلوقات، وأمر المأمورات، لا لعلة ولا لداع ولا باعث، بل فَعَلَ ذلك لمَحْضِ المشيئةِ، وَصَرْفِ الإرادة وهذا مذهب الجهمية والأشاعرة وهو قول ابن حزم وأمثاله(5).
(1) انظر: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة، 3/1310.
(2) انظر: مجموع الفتاوى(8/35-36).
(3) انظر: المصدر السابق (ص: 400-434) .
(4) شفاء العليل لابن القيم (ص:400) ط التراث.
(5) انظر: الإرشاد للجويني (ص:268) وما بعدها، ونهاية الإقدام (ص: 297)، ومحصل أفكار المتقدمين للرازي (ص:205)، الفصل (3/174)- ط المعرفة.الأحكام لابن حزم (8/1110) وما بعدها.