قال الخلال: ((أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله: كل مولود يولد على الفطرة يدخل عليه إذا كان أبواه، معناه: أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغارا؟ فقال لي: نعم، ولكن يدخل عليك في هذا. فتناظرنا بما يدخل عليّ من هذا القول، وبما يكون بقوله. قلت لأبي عبد الله: فما تقول أنت فيها، وإلى أي شيء تذهب؟ قال: إيش أقول أنا؟ ما أدري أخبرك هي مسلمة كما ترى، ثم قال لي: والذي يقول: كل مولود يولد على الفطرة ينظر أيضاً إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها قلت له: فما الفطرة الأولى: هي الدين؟ قال لي: نعم. فمن الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة)). قلت لأبي عبد الله: فما تقول لأعرف قولك، قال: أقول: إنه على الفطرة الأولى)).
قال ابن تيمية: ((فجوابه أنه على الفطرة الأولى، وقوله: إنها الدّين- يوافق القول بأنه على دين الإسلام))(1).أهـ
قال شيخ الإسلام: ((واحتجاج الفقهاء، كأحمد وغيره، بهذا الحديث على أنه متى سُبِيَ منفرداً عن أبويه يصير مسلماً، لا يستلزم أن يكون المراد بتكفير الأبوين مجرد لحاقه بهما في الدين، ولكن وجه الحجة أنه إذا ولد على الملة فإنما ينقله عنها الأبوان اللذان يغيرانه عن الفطرة، فمتى سباه المسلمون منفرداً عنهما، لم يكن هناك من يغير دينه، وهو مولود على الملة الحنيفية، فيصير مسلماً بالمقتضى السالم عن المُعَارِضِ، ولو كان الأبوان يجعلانه كافراً في نفس الأمر بدون تعليم وتلقين، لكان الصبي الْمَسْبِيُّ بمنزلة البالغِ الكافرِ.
ومعلومٌ أن البالغ إذا سباه المسلمون لم يصر مسلماً، لأنه صار كافراً حقيقة. فلو كان الصبي التابع لأبويه كافراً حقيقة، لم ينتقل عن الكفر بالسباء، فعلم أنه كان يجري عليه حكم الكفر في الدنيا تَبَعاً لأبويه، لا لأنه صار كافراً في نفس الأمر.
(1) العقل والنقل8/390-395.